لما كانت الثمرة العائدة من خطبة الجمعة هي دعوة الناس للهدى ودين الحق ، وإحياء الفضيلة وإماتة ضدها . كانت الخطب المجملة - والتي تجمع في نفس الوقت مواضيع كثيرة - قليلة الفائدة مشتتة للأذهان قلَّ أن تلمس مواضع الداء ، وذلك كمثل الطبيب الذي يخطب الجمهور يحثهم على قواعد الصحة العامة مع سردها مفصلة .
والواقع أن بين الناس المجذوم والمبطون وذا الرمد وما شاكل ذلك من ذوي الأمراض الخبيثة أو المعدية التي تحتاج إلى إفراد في الحديث وبيان الأدوية الخاصة لها . فلذلك كان الكلام على موضوع يأخذ حقَّه من الطرح مصحوبًا بالأسباب والعلاج أنفع للناس وأبلغ في التأكيد ؛ لاسيما في هذه الأزمنة التي كلَّت فيها الأنفس ، وقصرت فيها الهمم . فمن أراد العظة البليغة والقولة المؤثرة فليعمد إلى المنكرات المتفشية لاسيما ما كان فيها قريب العهد بالناس ، أو المصالح التي يغفل عنها كثير من الناس ، ثم يبين هذه الوقائع مقدمًا أكبرها مصلحة أو أشرها ضررًا وأسوأها أثرًا ، فيجعله محور خطابته وموضع عظته . وهذا أمر معلوم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد قال ابن القيم رحمه الله واصفًا خطبة النبي صلى الله عليه وسلم:"وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته ، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضَّ عليها" ((171) انظر: زاد المعاد ( 1/ 189 ) . 171) .
وقال في موضع آخر: (( وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم ) ) ((172) انظر: زاد المعاد ( 1/ 428 ) . 172) . اهـ .