فتفسير القرطبي هذا مع قول الفراء فيما إذا كان اللفظ واحدًا كقوله: { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } فكيف بحديث قصر الخطبة وطول الصلاة فهو من باب أولى ، فيكون المعنى على الحديث السابق: طول صلاة الرجل في جميع صلواته ، وقصد خطبته في الجمعة مئنة من فقهه لا أن الخطبة تكون أقصر من صلاة الجمعة لذاتها ، هذا ما ظهر لي . والعلم عند الله تعالى .
اعلم أن لأهل العلم أقولًا تتعلق بما يسمى ( أركان الخطبة ) ، إذ إن منهم من جعل للخطبة أركانًا لا تتم إلا بها ، ومنهم من خالف في ذلك فلم يوجب أركانًا للخطبة ، بل جعل ما يسمى خطبة من تسبيح وتهليل خطبة كاملة صحيحة ، ومنهم من اشترط ما يسميه العرب خطبة عادة ، وإليك أقوال المذاهب في هذه المسألة كالتالي:
مذهب الحنفية:
عند أبي حنيفة أن الشرط في الخطبة أن يذكر الله تعالى على قصد الخطبة ، قلَّ الذكر أم كثر ، حتى لو سبح أو هلل أو حمد الله تعالى على قصد الخطبة أجزأه .
وذهب أبو يوسف ومحمد: إلى أن الشرط أن يأتي بكلام يسمى خطبة في العرف .
ودليلهم في ذلك هم مطلق ذكر الله لقوله تعالى: { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وذكر الله تعالى معلوم لا جهالة فيه ، فتقييده بذكر يسمى خطبة أو بذكر طويل لا يجوز إلا بدليل .
ومن ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للخطيب الذي قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى: (( بئس الخطيب أنت ) ) ((572) رواه مسلم ، وقد سبق تخريجه . 572) ، فسماه خطيبًا بهذا القدر من الكلام ((573) انظر: كلام الحنيفة في البدائع ( 2/ 195 ) . 573) ."
بل نقل عن أبي يوسف: أن الإمام إذا عطس على المنبر فقال ( الحمد الله ) ثم نزل وصلى بالناس جازت صلاته ، وكان حمده خطبة ، ثم رجع عن ذلك وقال: لا يكون خطبة .