هذا حاصل كلام الشيخ رحمه الله . والذي من خلاله يتضح شيء من الأهمية لخطب الجمع والمواسم من جهة التأثير على الناس في دعوتهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة . فلله ما أعظم رتبة الخطباء ، وما أكرم مكانتهم . إنهم يغدون في خمائل الخطابة ، فتراهم تارة يحذرون ، وتراهم تارة يبشِّرون ، وأخري يعظون ، ورابعة يذكّرون ، يستلينون الناس بالقول إذا قسوا ، ويستخضعونهم به إذا عصوا ، ويمتلكون أفئدتهم بالرغبة والرهبة أخرى ، فلله ما أعظم محل الخطباء في النفوس ، وأنفذ كلامهم في القلوب ، وأشد إثارتهم للعواطف ، وبالله كم تتجه الأنظار نحوهم ، وتحدق الأبصار شاخصة بهم، وتلتف حولهم القلوب، وتترامى إليهم الآمال .
اختلف أهل العلم في حكم خطبة الجمعة هل هي واجبة أم لا ؟ على قولين:
القول الأول:
قالوا: إن الخطبة شرط لصحة الجمعة ، فلابد أن تتقدمها . وبه قال أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ((7) انظر: بدائع الصنائع (2/195) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ( 1/ 227 ) ، المجموع ( 4/ 383 ) ، المغني ( 3/ 170 ) ، مصنف عبدالرزاق (3/ 222) . 7) . وبه قال عطاء ، والنخعي ، وقتادة ، والثوري ، وإسحاق ، وأبو ثور ((8) انظر: المغني (3/ 171 ) . 8) . قال القاضي عياض: وهو قول كافة العلماء ((9) انظر: إكمال المعلم (3/256 ) . 9) .
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة ، منها:
أ- فِعْله صلى الله عليه وسلم المستمر الثابت عنه أنه كان يخطب في كل جمعة ، وهو الذي قال فيما صحَّ عنه (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) )رواه البخاري .
وقد ثبت صلاته صلى الله عليه وسلم الجمعة بعد خطبتين ((10) انظر: المجموع ( 4/ 383 ) ، المغني (3/ 171 ) . 10) .