كان الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله ممن وهبهم الله منهاجًا نيرًا لما يجب أن تكون عليه مساجد المسلمين وخطبهم وأحوالهم ، فقد قال كلامًا عظيمًا في المقارنة بين الخطب في الصدر الأول وما أعقب ذلك من إهمال وقصور في حق خطبة الجمعة لدى كثير من الخطباء ، مما أودى بالمقارنة الواضحة بين ما كان عليه السلف في الصدر الأول وبين ما بعدهم من عصور الانفتاح والبعد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رحمه الله:"كانت الخطب في الصدر الأول لها المكانة العالية والمقام الأسنى . كانت موضوع المفاخرة بين العرب كما يفتخرون في الشعر . كانوا ينتقون من جواهر الألفاظ أعذبها وأظرفها وأحلاها ، ومن المعاني أرقها وأدقها وأغلاها ، ومع ذلك فكانوا يضمنونها آيات من كتاب الله تعالى لتزداد حلاوة وطلاوة ((230) طُلاوة: أي رونقًا وحُسنًا . النهاية (3 / 137 ) . 230) حتى إنه ليعاب على خطبة ليس فيها آية من القرآن الكريم ((231) قلت: بل إن بعض أهل العلم قال بوجوب ذكر آية أو آيات من القرآن في الخطبة ، وعدَّ ذلك من أركانها كما سيأتي ذكره في مبحث مستقل بعنوان ( أركان خطبة الجمعة عند أهل العلم ) . 231) بلغت زمن الخلفاء الراشدين عنفوان ((232) عُنْفُوان الشيء: أوله . مختار الصحاح ص ( 458 ) . 232) شبابها ؛ فإن القرآن بما اشتمل عليه من أبدع الأساليب أعانهم على الخوض في عُبَاب ((233) عُبابُ كل شيء: أوّله . لسان العرب ( مادة عُبب ) . 233) التفنن في دائرة الإرشادات الجاذبة بمغناطيسها الأفئدة . كان الخطيب إذا قام لأمر ما سحر الألباب وملك بمرصعات الواعظ ما لا يملك بمرهفات ((234) مرهفات: أرهفتُ سيفي أي رقَّقْته فهو مرهف ، وسهم مُرْهف وسيق مرهف ورهيف ، وقد رهفته وأرهفته فهو مرهوف ومُرْهف ، أي رقّت حواشيه . لسان العرب ( مادة رهف ) . 234) السيوف والرماح . يؤلف بين من تفرق ، ويسكن الفتن ، ويزيل المخاصمات ، ويقطع المنازعات"