ثم إن الخطباء البلغاء كانوا يأخذون أنفسهم بالتدرب على الخطبة إلى أن تصير لهم سجية وعادة . وقد قالوا:"إن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي كان لا يتكلم إلا اعترته حبسة في منطقة فلم يزل يتشادق ويعالج إخراج الكلام حتى مال شدقه ، ولذا لقب بالأشدق وفيه يقول الشاعر:"
تشادق حتى مال بالقول شِدقُه
وكلُّ خطيبٍ لا أبا لك أشدقُ ((165) انظر: البيان والتبين ص ( 167 ) ، فن الخطابة لعلي بن محفوظ ص (18) . 165)
وحاصل القول أن التدرب وهذه الملكة لا تكون إلا ممن سلك سبلها واصطبر عليها يومًا فيومًا ، وراض عليها لسانه في المنتديات العامة والجمع والأعياد ونحو ذلك ، ولو راعه الموقف أولًا أمنه آخرًا ، فقديمًا قيل: من وقف حيث يكره وقف حيث يحب .
إن الخطيب قد يلقي خطبته إما بعد تحضير وإعداد ، وإما على المجازفة والبديهة لاسيما في حق المرتجل .
والحق أن الكلام الذي لا يعدُّ له قد لا يقيم حقًّا ، ولا يخفض باطلًا ، ولا يجذب نفسًا ، ولا ينفر من أمر ، لاسيما إذا كان الخطيب بين قوم فيهم من يتسقط هفواته ، ويتتبع سقطاته ، ويحصيها عليه إحصاءً . والواجب على الخطيب ألا يتوهم أن تحضير الخطبة قد ينقص من قدره ، بل الصحيح هو أن الكلام المبتذل الذي لا يعدًّ له ، ولا يزول في النفس ابتداءً ؛ هو الذي فيه مظنة العيب .