والطريقة العلمية لحل هذه المشكلة لا يمكن أن تتحقق إلا بإحدى حالين:
الحال الأول:
أن كان الخطيب ممن درس علوم الآلة ، ومنها علم النحو وعلم البيان والبلاغة ، أو كانت لديه مفاتيح النحو بحيث يميز بين المرفوع والمجرور ، والمنصوب والمجزوم ، وتقدم العامل على المعمول وما أشبه ذلك ؛ فما عليه إلا أن يطبق ما درس على خطبته شيئًا فشيئًا حتى يطابق علمه النظري واقعه العلمي . ومما لا شك فيه أن هذا لا يتأتى لأول وهلة هكذا ، ولا طفرة دون تدرج .
قال عبدالرحمن بن مهدي:"ما ندمت على شيء ندامتي أني لم أنظر في العربية" ((162) انظر: روضة العقلاء ص (221 ) .162) . اهـ .
وقال شعبة:"مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الدابة عليها المخلاة ، ليس فيها شيء" ((163) انظر: المصدر السابق (223) . 163) . اهـ .
الحال الثانية:
إن لم يكن الخطيب ذا إلمام بالنحو وعلم البيان والبلاغة ، فلا أقل من أن يعرض الخطبة على من يملك ذلك ليصحح له ما فيها من أخطاء ، وهذا ليس بعيب فإن المرء لا يولد عالمًا ، وما هي إلا فترة من الزمن حتى يصبح للخطيب بعدها ملكة تعينه على سلامة الخطبة من اللحن ورداءة الأسلوب .
ثم إن الخطابة كسائر الصنائع والمواهب يتفاوت الناس في إتقانها والأخذ بزمامها من حيث الزمن ، فمنهم من ينجز ذلك في أمد يسير ، ومنهم من يحتاج إلى زمن أطول من ذلك ، وقد قال بعض أهل الأدب:
إنهم لم يروا خطيبًا بلديًا إلا وهو في أول تكلفه للخطابة كان مستثقلًا إلى أن يتوقح وتستجيب له المعاني ، ويتمكن من الألفاظ إلا شبيب بن شيبة ، فإنه ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره ((164) انظر: فن الخطابة لعلي محفوظ ص (18 ) . 164) . اهـ .