قلت: ومما يدل بُعد هذه المسألة عن عدد من الخطباء إلا من رحم الله هو ما يسمع من بعضهم - هداهم الله - من اللحن الجلي وعدم الإفصاح أو إعراب الكلام على الوجه الصحيح ، أو اختلاط الألفاظ والمعاني بذكر المترادفات على صورة المتضادات أو العكس أو ما شابه ذلك ، مما يجعل مثل ذلك كالمطارق تضرب رؤوس المستمعين الذين يميزون بين الفصاحة واللحن والخلط . ويا لله العجب كيف يشتهر خطباء ويكون لخطبهم وقع وهم يلحنون كثيرًا ويعربون قليلًا . ولقد أحسن ابن قتيبة حينما قال:"دخل أعرابي السوق فسمعهم يلحنون فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون ((160) انظر: عيون الأخبار ( 2 / 556 ) . 160) . اهـ ."
وللشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله كلام جميل حول هذا المعنى فكان مما قال فيه:"يجب أن يعنى الخطيب بتصحيح الكلام الذي ينطق به ، وملاحظته في مفرداته وعباراته فيلاحظ بنية الكلمات ملاحظة تامة ، فلا ينطق مثلًا بكلمة ( سوقة) بفتحتين كبعض الخطباء فيذهب ذلك بروعة القول وبهائه ، ولا ينطق بغير ما توجبه قواعد النحو في آخر الكلمات ، فإن ذلك يفسد المعنى . والنطق والخطأ لآخر الكلمات فوق أنه يفسد المعنى ، ويذهب برونق الخطبة ، وحسن وقعها ، وجمال تأثيرها ، ولا يظنن الخطيب أن جودة المعنى وإحكامه قد يذهبان ببعض الأخطاء ، فإن الهنات الصغيرة إذا كثرت أحدثت تأثيرًا سلبيًا للخطبة ، وأفسدت تأثير المعاني المحكمة ، ثم إن المستمع يلاحظ ما لا يلاحظه الخطيب ، ونظراته إلى المتكلم وكلامه نظرات فاحصة كاشفة ، وإذا ادركوا كثيرًا من الأخطاء ضاع أثر الخطبة في نفوسهم ((161) انظر: الخطابة ص ( 146 ) . 161). اهـ ."