قلت: المقصود من كلام أهل العلم السابق ذكره ، هو فيما لو استقبل الخطيب القبلة واستدبرهم حال الخطبة والكلام . فلا يدخل في ذلك ما لو استدبرهم حال سجوده للتلاوة ، أو حال استدبارهم لحاجة عارضة وهو لا يخطب ، كأن يستدبرهم ليأخذ حاجة من خلفه أو نحو ذلك كصعوده على المنبر بعد نزوله منه ليأخذ حاجة ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع الحسن والحسين . والعلم عند الله تعالى .
إن المتتبع لأحوال بعض الخطباء ، لاسيما في زمن ليس بالبعيد ، ليلحظ أن عددًا منهم كانوا يترنمون في الخطب ويلحنونها ويقرؤونها كما يقرؤون القرآن أو نحوًا من ذلك ، بحيث يكون معها مدٌّ وتمطيطٌ وتغنٍ .
ومثل هذا الفعل قد نزل بعض أهل العلم كلامًا وحكمًا شرعيًا عليه .
فقد روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها في وصف حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( كان يحدث حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه ) )وقالت:"لم يكن يسرد الحديث كسردكم" ((496) انظر: صحيح البخاري برقم ( 3568) ، ومسلم برقم ( 2493 ) . 496)، قال الحافظ ابن حجر:"المراد بذلك المبالغة في الترتيل والتفهيم. ((497) انظر: فتح الباري ( 7/ 275 ) . 497)اهـ."
قلت: قد يظن ظان أن معنى قول الحافظ: ( الترتيل ) أنه هو التغني . والصواب أنه ليس كذلك ؛ لأن الترتيل لا يأتي بمعنى التغني والتلحين ، وإنما هو كما قال ابن الأثير:"ترتيل القراءة: التأني فيها ، والتمهل ، وتبيين الحروف والحركات" ((498) انظر: النهاية ( 2/ 178) . 498) . اهـ .
ويؤكد ابن الأثير ذلك بقوله:"لم يكن يسرد الحديث سردًا"أي يتابعه ويستعجل فيه" ((499) انظر: النهاية ( 2/ 178) .499)."