فالجواب: أن هذا المفهوم ليس بصحيح ، ولم أر من قال بهذا من أهل العلم ، بل إن الأدلة الشرعية دلَّت على خلافه . ففي حديث الإفك يعلم كثير من الصحابة أن الذي تولى كبر القضية هو عبدالله بن أبي بن أبي سلول ؛ حيث إن الأمر قد استفاض بينهم على أنه ابن سلول ، وكذلك في مسألة حجة الوداع وامتناع من امتنع حتى قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ، فالذين عرَّض بهم النبي صلى الله عليه وسلم هنا إنما هم معرفون في الواقع ، وبعض المستمعين لكلام النبي صلى الله عليه وسلم في هذا من الصحابة كانوا يعلمون من هو المقصود بهذا الكلام حال خطبته صلى الله عليه وسلم ، غير أنه لم يصرح بأسمائهم ، ويؤكد هذا أيضًا قول ابن بطال السابق:"فأما مع الإبهام فلم تحصل المواجهة وإن كانت صورتها موجودة وهي مخاطبة من فعل ذلك"اهـ .
ويؤيد هذا أيضًا صور التعريض التي ذكرها الفقهاء فيما يتعلق بالمعتدة ، حيث أجازوا التعريض بخطبتها دون التصريح ، فكان من أمثلة ذلك قولهم:"كان يقول الرجل للمعتدة: إني في مثلك لراغب" ((842) انظر: المغني ( 9 / 572 ) . 842) .
فالحاصل أنه لا ينبغي أن يفهم التعريض على أنه لا يكون إلا بصورة لا يعرفها إلا نفس المقصود ، وبناء على هذا لو عرف كاتب أو متكلم مشهور قد أخطأ في مسألة ما ، واشتهر خبره بين الناس ، بحيث إنه أوقع فسادًا أو ضلالًا أو نحو ذلك بينهم ، ثم عرَّض به الخطيب في الجمعة فقال:"ما بال رجال يفعلون كذا وكذا ، أو يقولون كذا وكذا ... الخ". فإن هذا لا يعد تصريحًا ولو كان جمهور المستمعين يعلمون من هو المعرض به وإن لم يصرح الخطيب باسمه ، فهذا هو التعريض بعينه كما دلت على ذلك الأدلة ، وعلى ذلك فقس ، ليتضح لك الأمر ، وهو يقع كثيرًا في هذه الأزمنة ؛ لكثرة الأخطاء والمنكرات التي يجهر بها عبر وسائل متعددة كالتلفاز والمذياع ، والصحافة والمطبوعات . والله هو المستعان وعليه التكلان .