الحفّاظ. قال أبو عبد الرحمن السّلمي: سمعت الدارقطني يقول: ما في الدنيا شيء أبغض إلي من الكلام [1] . ونقل ابن طاهر المقدسي أنهم اختلفوا ببغداد، فقال [2] قوم:
[عثمان أفضل] وقال قوم: عليّ أفضل. قال الدارقطني: فتحاكموا إليّ فأمسكت.
وقلت: الإمساك خير. ثم لم ار لديني السّكوت، فدعوت الذي جاءني مستفتيا. قلت:
قل لهم عثمان افضل بإتفاق جماعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا قول أهل السّنّة، أوّل عقد يحلّ من الرّفض. وقال الخطيب [3] : هل كان أبو الحسن يملي عليك العلل من حفظه؟ قال: نعم. وأنا الذي جمعتها، وقرأها الناس من نسختي. ثم قال الخطيب:
وحدّثني العتيقي. قال: حضرت الدارقطني، وجاء أبو الحسين البيضاويّ يقرب ليسمع منه. فامتنع، واعتلّ ببعض العلل، فقال: هذا رجل غريب، وسأله أن يملي عليه أحاديث، فأملى عليه أبو الحسين من حفظه، مجلسا تزيد أحاديثه على العشرة متون جميعها «نعم الشيء الهدية أمام الحاجة» فانصرف الرجل. ثم جاءه بعد، وقد أهدى له شيئا، فقرّبه وأملى عليه من حفظه، سبعة عشر حديثا، متون جميعها ومنها: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» [4] وقال محمد بن طاهر المقدسي: كان للدارقطني مذهب في التدليس خفيّ، يقول [5] : فيما لم يسمعه من أبي القاسم البغوي، قرىء على أبي القاسم البغوي، حدّثكم فلان. قلت: وأخذ الدارقطني، عن أبي بكر بن مجاهد سماعا، وقرأ على أبي بكر النقّاش، وعلى ابن سعيد القزّاز، وأحمد بن بويان، وأحمد بن محمد الديباجي، وبرع في القراءات، وتصدّر في آخر أيامه للإقراء وقد نقلت من خطّه حديثا، والجزء بوقف الضيائيّة [6] ، ووقع لي حديثه عاليا بالإجازة. وقال الخطيب [7] : حدّثني
(1) تاريخ الإسلام: الذهبي: وفيات سنة 385هـ. ص 103.
(2) كان مثل هذا الجدل في بغداد يعكس مدى الصراع السياسي بين الناس.
(3) تاريخ بغداد 3712، المنتظم 14/ 379.
(4) أخرجه ابن ماجه في السنن برقم 3732، وانظر: كنز العمال 9/ 258484، ورواه البزار، وابن خزيمة، والطبراني، وابن عدي، والبيهقي عن جرير، ورواه البزار عن أبي هريرة، ورواه ابن عدي عن معاذ، وأبي قتادة. ورواه الحاكم، عن جابر، ورواه الطبراني عن ابن عباس، ورواه ابن عساكر عن أنس، وعدي بن حاتم. وهو حديث حسن. انظر: السيوطي: الجامع الصغير مع شرحه 1/ 211، 242.
(5) انظر: طبقات القراء: ابن الجزري / 5585281.
(6) الضيائية: هي إحدى مدارس دمشق القديمة / النعيمي: الدارس 2/ 98.
(7) الخطيب: تاريخ بغداد 403412.