فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 794

وإذا شرع في حكاية الأحوال، وخاض في علوم الصوفية، في فصول مجالسيه بالغدوات، أبكى الحاضرين ببكائه، وقطّر الدماء من الجفون بزعقاته، ونقراته وإشاراته، لاحتراقة في نفسه. وتحقّقه بما يجري من دقائق الأسرار.

هذه الجملة نبذ مما عهدناه منه، إلى انتهاء أجله، فأدركه قضاء الله الذي لابد منه، بعد ما مرض قبل ذلك بمرض اليرقان، وبقي به أياما، ثم برأ منه، وعاد إلى الدرس والمجلس، وأظهر الناس من الخواص والعوام السرور بصحته، وإقباله من علّته [1] .

فبعد ذلك بعهد قريب مرض المرضة التي توفي فيها، وبقي بها أياما وغلبت عليه الحرارة التي كانت تدور في طبيعته. إلى أن ضعف، وحمل إلى بشتنقان [2] ، لاعتدال الهواء، وخفّة الماء، فزاد الضّعف، وبدت مخايل الموت.

وتوفي ليلة الأربعاء بعد صلاة العتمة، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان وسبعين وأربعمئة، ونقل في الليل إلى البلد، وقام الصياح في كلّ جانب.

وجزع الناس عليه جزعا لم يعهد مثله، وحمل بين الصلاتين من يوم الأربعاء، إلى ميدان الحسين، ولم تفتح الأبواب في البلد، ووضعت المناديل على الرّؤوس عاما، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرؤوس الكبار.

وصلى عليه ابنه الإمام أبو القاسم، بعد جهد جهيد، حتى حمل إلى داره من شدة الزحمة، وقت التطفيل ودفن في داره.

وبعد سنين نقل إلى مقبرة الحسين، وكسر منبره في الجامع المنيعيّ. وقعد الناس للعزاء أياما عدا عاما، وأكثر الشعراء المراثي فيه، وكان الطلبة قريبا من أربعمئة نفر، يطوفون في البلد نائحين [3] عليه، مكسرين المحابر والأقلام، مبالغين في الصياح والجزع.

وكان مولده ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمئة، وتوفي وهو ابن تسع وخمسين سنة رحمه الله [4] .

(1) السبكي طبقات الشافعية 1/ 179، 180.

(2) بشتنقان: من قرى نيسابور، وأحد متنزهاتها، وتبعد عن نيسابور مقدار فرسخ واحد وبها قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين / ياقوت: معجم البلدان 1/ 125.

(3) ابن الجوزي: المنتظم 16/ 247.

(4) السبكي: طبقات الشافعية 1/ 181وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة 478هـ / المنتظم 16/ 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت