مجلس في التذكير للعوامّ؟ مسلسل المسائل مشحون بالنكت المستنبطة، من مسائل الفقه مشتملة على حقائق الأصول [1] مبكّية في التحذير، مفرحة في التبشير، مختومة بالدعوات، وفنون المناجاة. حضرناه [2] .
وكم من مجمع للتدريس حاو للكبار من الأئمة، وإلقاء المسائل عليهم، والمباحث في غورها رأيناه، وحصلنا بعض ما أمكننا منه وعلّقناه، لم نقدّر ما كنا فيه من نضرة أيامه، وزهرة شهوره وأعوامه، حق قدره، ولم نشكر الله تعالى عليه حق شكره، حتى فقدناه وسلبناه.
وسمعته في أثناء كلامه يقول: أنا لا أنام، ولا آكل عادة، وإنما أنام إذا غلبني النّوم ليلا كان أو نهارا، وآكل إذا اشتهيت الطعام، أي وقت كان، وكانت لذته، ولهوه ونزهته، في مذاكرة العلم، من أيّ نوع.
فلقد سمعت الشيخ أبا الحسن علي بن فضّال بن علي المجاشعي، النحويّ، القادم علينا، سنة تسع وتسعين وأربعمئة، يقول: وقد قبله الإمام فخر الإسلام، وقابله بالإكرام، وأخذ في قراءة النحو عليه، والتلمذة له، بعد أن كان إمام الأئمة في وقته، وكان يحمله كل يوم إلى داره، ويقرأ عليه كتاب «إكسير الذهب في صناعة الأدب» من تصنيفه [3] . فكان يحكي يوما، ويقول: ما رأيت عاشقا للعلم من أيّ نوع كان، مثل هذا الإمام، فإنه يطلب العلم للعلم، وكان كذلك. ومن حميد سيرته، أنه ما كان يستصغر أحدا، حتى يسمع كلامه، بادئا كان أو متناهيا فإن أصاب كياسة في طبع، أو جريا على منهاج الحقيقة، استفاد منه صغيرا كان أو كبيرا.
ولا يستنكف عن أن يعزي الفائدة المستفادة إلى قائلها.
ويقول: هذه الفائدة مما استفدته من فلان، ولا يحابي أيضا في التزييف إذا لم يرض كلاما، ولو كان أباه أو أحدا من الأئمة المشهورين، وكان من التواضع لكلّ أحد بمحلّ يتخيّل منه الاستهزاء لمبالغته فيه. ومن رقة القلب بحيث يبكي إذا سمّعته بيتا، أو تفكّر في نفسه ساعة.
(1) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 1/ 179
(2) السبكي: طبقات فقهاء الشافعية 1/ 179.
(3) السبكي: طبقات الشافعية 1/ 179.