فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 794

وخطب له على منابر خراسان، والعراق. وكان نظام الملك يدبّر أمره، فجرى على يده من الرسوم المستحسنة ونفي الظّلم وإسقاط المؤن، وحسن النّظر في أمور الرّعية، ورتّب أمور الدّواوين أحسن ترتيب، وأخذ في بذل الصّلات، وبناء المدارس، والرّباطات، إلى أن انقضت مدة السلطان ألب أرسلان في سنة خمس وستين.

وطلع نجم الدولة، الملكشاهيّة [1] ، وظهرت كفاية نظام الملك في دفع الخصوم حتى توطّدت أسباب الدولة. فصار الملك حقيقة لنظامه، ورسما للسلطان ملكشاه بن ألب أرسلان. واستمر على ذلك عشرين سنة.

وكان صاحب أناة وحلم وصمت، ارتفع أمره، وصار سيد الوزراء سنة خمس وخمسين وإلى حين وفاته.

حكى القاضي [2] أبو العلاء الغزنويّ، في كتاب (سرّ السرور) : أن نظام الملك، صادف في السفر رجلا في زيّ العلماء، قد مسّه الكلال. فقال له: أيها الشيخ أعييت أم عييت؟ فقال: أعييت يا مولانا. فتقدّم من حاجبه أن يركبه جنبيّا، وأن يصلح من شأنه، وأخذ في اصطناعه. وإنما أراد بسؤاله اختباره، فإن العيّ في اللسان (وأعيى: تعب) [3]

وروي عن عبد الله الساوجيّ، أن نظام الملك، استأذن ملكشاه في الحج، فأذن له، وهو إذ ذاك ببغداد. فعبر الجسر وهو بتلك الآلات والأقمشة، والخيام، فأردت الدخول عليه، فإذا فقير تلوح عليه سيماء القوم، فقال لي: يا شيخ أمانة ترفعها إلى الوزير.

قلت: نعم. فأعطاني ورقة، فدخلت بها ولم أفتحها، فوضعتها بين يدي الصاحب، فنظر فيها، وبكى بكاء كثيرا، حتى ندمت وقلت في نفسي: ليتني نظرت فيها.

فقال لي: أدخل علي صاحب هذه الرّقعة. فخرجت فلم أجده، وطلبته فلم أره، فأخبرت الوزير، فدفع إليّ الرقعة، فإذا فيها: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام. فقال لي:

اذهب إلى حسن وقل له: أين تذهب إلى مكة؟ حجّك هاهنا. أما قلت لك؟: أقم بين يدي هذا التركيّ، وأغث أصحاب الحوائج من أمتي.

فبطّل النظام الحج، وكان يودّ أن يرى ذلك الفقير.

(1) ابن الجوزي: المنتظم 16/ 303، نسبة إلى ملكشاه بن ألب أرسلان، السبكي: طبقات الشافعية 4/ 319.

(2) السبكي: طبقات الشافعية 4/ 328، وابن الصلاح: طبقات فقهاء الشافعية 1/ 448.

(3) ابن الصلاح: طبقات 1/ 448.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت