فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 794

زرته مرارا، وما كنت أقدّس في نفسي مع ما عهدته، في سالف الزّمان عليه من الزّعارّة [1] ، وإيحاش النّاس، والنّظر إليهم بعين الازدراء، والاستخفاف بهم كبرا، وخيلاء، واغترارا [2] ، بما رزق من البسطة في النّطق، والخاطر، والعبارة، وطلب الجاه، والعلوّ في المنزلة. أنّه صار على الضّدّ وتصفّى من تلك الكدورات. وكنت أظنّ أنه متلفّع بجلباب التّكلّف، متلبّس بما صار إليه، فتحقّقت بعد السّبر، والتّنقير أنّ الأمر على خلاف المظنون، وأنّ الرّجل أفاق بعد الجنون.

وحكى لنا في ليال عن كيفيّة أحواله، من ابتداء ما ظهر له من طريق التألّه، وغلبة الحال عليه، بعد تبحّره في العلوم، واستطالته على الكلّ بكلامه، والاستعداد الّذي خصّه الله به، في تحصيل أنواع العلوم. وتمكّنه من البحث والنّظر، حتى تبرّم بالاشتغال بالعلوم العريّة عن المعاملة، وتفكّر في العاقبة، وما ينفع في الآخرة، فابتدأ بصحبة أبي عليّ الفارمذيّ [3] ، فأخذ منه استفتاح الطّريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام، بوظائف العبادات، والإمعان في النّوافل، واستدامة الأذكار، والاجتهاد والجدّ، طلبا للنّجاة. إلى أن جاز تلك العقبات، وتكلّف تلك المشاق، وما حصل على ما كان يرومه.

ثم حكى: أنه راجع العلوم، وخاض في الفنون، وعاود الجدّ في العلوم الدّقيقة، والتقى بأربابها، حتى تفتّحت له أبوابها، وبقي مدّة في الوقائع، وتكافؤ الآداب وأطراف المسائل. ثم حكى أنه فتح له باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء وحمله على الإعراض عمّا سواه، حتى سهل ذلك عليه. وهكذا إلى أن ارتاض كلّ الرياضة، وظهرت له الحقائق، وصار ما كنّا نظن به ناموسا وتخلّقا، طبعا وتحقّقا. وأنّ ذلك اثر السّعادة المقدّرة له من الله تعالى.

ثم سألناه: عن كيفيّة رغبته في الخروج من بيته، والرّجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور.

طبقات الفقهاء الشافعية 1/ 262260.

(1) الزّعارة: الشّراسة وسوء الخلق.

(2) في سير أعلام النبلاء 19/ 324: «واعتزازا» .

(3) الفارمذيّ: نسبة إلى فارمذ: إحدى قرى طوس. وأبو عليّ الفارمذيّ هو: الفضل بن محمد بن علي، لسان خراسان وشيخها، توفي سنة 477هـ، تاريخ الإسلام (ترجمة 122) للذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت