فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 794

ثم ساس الخلق بتلك الأخلاق، وزعموا أنّ المعجزات حيل ومخاريق.

وللإمام أبي عبد الله محمد بن عليّ المازريّ الصّقلّي [1] ، كلام على (الإحياء) ، يدلّ على تبحّره، وتحقيقه يقول فيه [2] : وبعد فقد تكرّرت مكاتبتكم، في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم (بإحياء علوم الدّين) ، وذكرتم أنّ آراء النّاس فيه قد اختلفت، فطائفة انتصرت وتعصّبت لإشهاره، وطائفة منه حذّرت وعنه نفّرت، وطائفة لعيبه أظهرت، وكتبه حرّقت، ولم ينفرد أهل المغرب باستعلام ما عندي، بل كاتبني أهل الشرق بمثل ذلك، فوجب عندي إبانة الحقّ. ولم تتقدّم إلى قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه. فإن نفس الله في العمر [3] ، مددت في هذا الكتاب للأنفاس، وأزلت عن القلوب الالتباس.

واعلموا أنّ هذا الرجل وإن لم أكن قرأت كتابه، فقد رأيت تلامذته وأصحابه، فكلّ منهم يحكي لي نوعا من حاله وطريقته، أتلوّح منها من مذاهبه وسيرته، ما قام لي مقام العيان، فأنا أقتصر في هذا الإملاء على ذكر حال الرجل وحال كتابه، وذكر جمل من مذاهب الموحّدين، والفلاسفة، والمتصوّفة، واصحاب الإشارات. فإنّ كتابه متردّد بين هذه الطّرائق الثلاث لا تعدوها.

ثم أتبع ذلك بذكر حيل أهل مذهب على أهل مذهب آخر، ثم أبيّن عن طرق الغرور، وأكشف عمّا فيه من خيال الباطل، ليحذر من الوقوع في حبائل صائده.

ثم أثنى المازريّ على أبي حامد في الفقه. وقال: هو بالفقه أعرف منه بأصوله، وأمّا علم الكلام الذي هو أصول الدّين، فإنّه صنّف فيه أيضا، وليس بالمتبحّر فيها، ولقد فطنت بعدم تبحّره فيها، وذلك لأنّه قرأ علوم الفلسفة قبل تبحّره في فنّ الأصول، فأكسبته قراءة الفلسفة جرأة على المعاني، وتسهّلا للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمرّ مع خواطرها، وليس لها حكم شرع يزعها [4] .

(1) محمد بن علي بن محمد التميمي المازري الصّقلي (أبو عبد الله) من بلده مازرة في جزيرة صقلية ولد سنة 453هـ وتوفي سنة 536هـ. محدث، حافظ، فقيه، أصولي متكلم، أديب. دفن في مدينة المهدية من إفريقية. وله تصانيف كثيرة. ابن خلّكان: وفيات الأعيان 1/ 615، الصفدي: الوافي بالوفيات 4/ 151، البغدادي: هدية العارفين 2/ 88.

(2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 19/ 330.

(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء 19/ 341.

(4) نفسه 19/ 330وابن الصلاح: طبقات 1/ 256.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت