في ربيع الأوّل سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
وكان ذا همّة عالية، وشهامة زائدة، وإقدام ورأي وهيبة شديدة. ضبط أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب، وأحيا رسم الخلافة ونشر عظامها، وشيّد أركان الشّريعة وطرّز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدّة نوب إلى الحلّة، والموصل، وطريق خراسان، إلى أن خرج النّوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان، وأخذ أسيرا إلى أذربيجان.
وقد سمع الحديث من: أبي القاسم ابن بيان [الرزاز] ، وعبد الوهاب بن هبة الله السيبيّ، وقرأ عليه محمد بن عمر بن مكّي الأهوازيّ، أحاديث في موكبه وهو يسير من المدائن إلى الحلّة، والأهوازيّ يقرأ ماشيا وسمعها جماعة.
قال السّمعانيّ ذلك. وقال: روى لنا عنه وزيره: علي بن طراد، وإسماعيل بن طاهر الموصلي، وكانت خلافته سبعة عشر سنة وثمانية أشهر وأياما. وكانت مدّة عمره خمسا وأربعين سنة وأشهرا.
وقتل بيده جماعة من الباطنيّة، جهزهم السّلطان مسعود فهجموا عليه [1] بخيمة بظاهر مراغة في سابع عشر الشهر [2] ، وكانت الباطنية الذين هجموا عليه سبعة عشر نفسا، فقبض عليهم وقتلهم السّلطان مسعود، وأظهر القلق والجزع وجلس للعزاء، ووقع النّياح والبكاء، وغسّل وكفّن ونقل إلى بغداد، وكان فيها من النّياحة والبكاء والضجيج ما يتجاوز الوصف.
وله شعر فمنه [3] : [من الطويل] :
أنأ الأشقر الموعود بي في الملاحم ... ومن يملك الدّنيا بغير مزاحم
ستبلغ أقصى الرّوم خيلي وتنتضى ... بأقصى بلاد الصّين يبض صوارمي
(1) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 433، وابن الجوزي: المنتظم 17/ 161، 304، وشذرات الذهب 4/ 86.
(2) ابن الجوزي: المنتظم 17/ 304.
(3) البيتان في: تاريخ الخلفاء ص 433، وابن الصلاح: طبقات الفقهاء الشافعية 2/ 660، والذهبي: سير أعلام النبلاء 19/ 563، والبيت الثاني هو:
ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى ... بأقصى بلاد الصّين بيض صوارمي