ممن خالفنا، يعني خالف مالكا، أحب إلي من الشافعي [1] ، وقال سعيد بن عمرو البردعي: سمعت محمد بن عبد الحكم يقول: ليس أبو عبيد عندنا بفقيه، قلت: لم؟
قال: لأنه يجمع أقاويل الناس، فيختار لنفسه منها قولا. قلت: فمن الفقيه؟ قال:
الذي يستنبط أصلا، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لم يسبق إليه ثم يشعّب من ذلك [2]
الأصل مائة شعبة.
قلت [3] : ومن يقو على هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي. رواه أبو الحسن الآبري، عن أبي الحسن علي بن محمد بن قدامة الأردبيلي، عن البردعي، وقال ابن أبي حاتم: ثنا نصر بن المكي، ثنا ابن عبدا لحكم قال: ما رأيت مثل الشافعي. كان أصحاب الحديث ونقّاده، يجيئون إليه، فيعرضون عليه غوامض علم الحديث. فربما أعلّ نقد النقّاد منهم، فيوقفهم على غوامض من علل الحديث لم يقفوا عليها، فيقومون وهم متعجبون منه، ويأتيه أصحاب الفقه، المخالفون والموافقون، فلا يقومون إلا وهم مذعنون له بالحذق والدراية، ويجيىء أصحاب الأدب، فيقرأون عليه الشعر فيفسره لهم، ولقد كان يحفظ عشرة آلاف بيت شعر من أشعار هذيل، بإعرابها وغريبها، ومعانيها، وكان من أضبط الناس للتاريخ، وكان يعينه على ذلك شيئان، وفور عقل وصحة دين. وكان ملاك [4] أمره، إخلاص العمل لله عز وجل [5] . وقال أبو سعيد الفريابي: قال علي بن محمد: لمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أو قيل له: أن عبد الملك الماجشون، ناظر لشافعي فضغطه.
فقال محمد: لو قيل لعبد الملك: أن الشافعي يريد أن يناظرك، لظن أن سبعا يريد أن يأكله، وأين عبد الملك من الشافعي [6] ؟ رواه أبو الحسن الآبري. وروي بسنده أيضا، عن أبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي. قال: قلت لمحمد بن عبد الحكم: أين ابن عليّة [7] من الشافعي؟. قال: ما بينهما إلا كما بين المشرق والمغرب. كنت أناظر
(1) مناقب الشافعي للبيهقي 2/ 246.
(2) مناقب البيهقي 2/ 272، الفخر الرازي: مناقب الشافعي ص 64.
(3) الفخر الرازي: مناقب الشافعي ص 64.
(4) الملاك: بالكسر والفتح: قوام الشيء، ما يعتمد عليه فيه.
(5) مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 21/ 381، الفخر الرازي: مناقب الشافعي ص 64.
(6) الذهبي: سير النبلاء 10/ 49، 50، ومختصر تاريخ دمشق لابن عساكر 21/ 392.
(7) هو إبراهيم بن عليّة من غلمان أبي بكر الأصم شيخ المعتزلة، قال عنه الشافعي بأنه ضالّ يضلّ