رضي الله عنه بمصر. يدعوه للقضاء، فقال الشافعي رضي الله عنه: اللهم إن كان هذا خيرا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري، فأمضه، وإن لم يكن خيرا لي فاقبضني إليك.
قال: فتوفي بعد هذه الدعوة بثلاثة أيام، ورسول الخليفة على بابه، وقد روى القاضي أبو الطيب [1] ، أنّ المأمون كتب إلى الشافعي، يدعوه ليوليّه القضاء في الشرق والغرب.
فأبى ودعا بالمزني في مرض موته، ونهاه عن تولي القضاء، فأظهر له كتاب المأمون، وقال له: ما أظهره لأحد غيرك [2] . وذكر الرافعي في (الشرح الكبير) ، أنّ الكتاب إلى الشافعي كان من الرشيد، والأول أشبه بالصواب. وروى ابن غانم في كتاب المناقب له، عن أبي عمر البلخي، قال: سمعت أبا عبد الله الضّبي يقول: حدثي أبو عبد الله الحسين بن جعفر الورّاق، قال: قرأت بمصر على حجر عند رأس قبر الشافعي رضي الله عنه. محفورا فيه هذين البيتين، وحدّثونا أنه قول رجل من أهل العراق، من أجلّة الفقهاء، نذر بالعراق أن يخرج إلى مصر، ويختم عند قبر الشافعي رضي الله عنه بأربعين ختمة. ثم يرجع. فخرج إلى مصر مناقلة، وختم على قبر الشافعي أربعين ختمة، ثم حفر هذين البيتين في الحجر المنصوب على قبره [3] :
قد وفينا بنذرنا يا ابن إدري ... س وزرناك من بلاد العراق
وقرأنا عليك ما قد حفظنا ... من كلام المهيمن الخلّاق
وقال أبو عبد الله الحليمي [4] : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام ببخارى، كأنه في صحراء على ربوة من الأرض، وبين يديه الأئمة الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم أجمعين وكل واحد منهم على يسار صاحبه، دونه وأنا دونهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الأحاديث التي في كتاب الشافعي، وهو يرويها عنّي يجب أن تأخذها لفظا بعد لفظ. رواه أبو عبد الله بن غانم بسنده إلى الحليمي. وروى أيضا بسنده عن أحمد بن محمد الأنماطي العدل. حدثني أحمد بن نصر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي فقلت: يا رسول الله بمن تأمرنا أن نقتدي به من أمتك في عصرنا، ويركن إلى قوله، ويعتقد مذهبه، فقال: عليكم بمحمد بن إدريس الشافعي، فإنه مني وأنّ الله
(1) لم أعثر على سنده.
(2) لم أعثر على سنده.
(3) البيتان في: مناقب البيهقي 2/ 305.
(4) البيهقي: مناقب الشافعي 2/ 40.