وأما مع النفس بأن لا يختار لها إلا الأنفع والأصلح في الدين والدنيا وأن يجتهد في مخالفة شهواتها وإراداتها فإنها السم الناقع المهلك لمن أطاعها في الدنيا والآخرة
قال أنس قلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له
وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون نزلت في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لما حصرهم صلى الله عليه وسلم وكانوا يميلون إلى أبي لبابة لكون أهله وولده فيهم
فقالوا له هل ترى أن ننزل على حكم محمد فأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح فلا تفعلوا فكانت تلك منه خيانة لله ولرسوله
قال فما زالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله ثم ذهب إلى المسجد وربط نفسه وحلف أن لا يحلها أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا زال كذلك حتى أنزل الله توبته فحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة وقوله عز وجل وتخونوا أماناتكم عطف على النهي أي ولا تخونوا أماناتكم
قال ابن عباس الأمانات الأعمال التي ائتمن الله تعالى عليها العباد
وقال غيره أما خيانة الله ورسوله فمعصيتهما
وأما خيانة الأمانات فكل أحد مؤتمن على ما كلفه الله به فهو سبحانه موقفه بين يديه ليس بينه وبينه ترجمان وسائله عن ذلك هل حفظ أمانة الله فيه أو ضيعها فليستعد الإنسان بماذا يجب الله تعالى به إذا سأله عن ذلك فإنه لا مساغ للجحد ولا للإنكار في ذلك اليوم وليتأمل قوله تعالى وأن الله لا يهدي كيد الخائنين أي لا يرشد كيد من خان أمانته بل يحرمه هدايته في الدنيا ويفضحه على رءوس الأشهاد في العقبى فالخيانة قبيحة في كل شيء لكن بعضها أشد وأقبح من بعض إذ من خانك في فلس ليس كمن خانك في أهلك
وقد عظم الله سبحانه وتعالى أمر الأمانة تعظيما بليغا وأكده تأكيدا شديدا
فقال عز وجل إنا عرضنا الأمانة أي التكاليف التي كلف الله بها عباده من امتثال الأوامر واجتناب النواهي على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أي آدم صلى الله على نبينا وعليه وسلم إنه كان ظلوما أي لنفسه بقبوله تلك التكليفات الشاقة جدا جهولا أي بمشقتها التي لا تتناهى