الكبيرة الثامنة والخمسون بعد الثلاثمائة الزنا أعاذنا الله منه ومن غيره بمنه وكرمه قال تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا
وقال تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما
وقال تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وصف تعالى النكاح الذي هو زنا في الآية الأخيرة بأوصاف ثلاثة والزنا في الآية الأولى بوصفين فقط لأن الثاني أفحش وأقبح لأن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش لأن نكاح الأمهات من أقبح الأشياء حتى عند الجاهلية الجهلاء
فالفاحشة أقبح المعاصي والمقت بغض مقرون باستحقار فهو أخص من الفاحشة وهو من الله عز وجل في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار وإنما قيل فيه ذلك مع قوله تعالى وساء سبيلا لأن ذلك قبل النهي عنه كان منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم وكانوا يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت وكان في العرب قبائل اعتادت أن يخلف الرجل على امرأة أبيه وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة وفي قريش مباحة مع التراضي
واعلم أن مراتب القبح ثلاثة عقلي وشرعي وعادي فاحشة إشارة للأول ومقتا إشارة للثاني وساء سبيلا إشارة للثالث ومن اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح
والاستثناء في إلا ما قد سلف قيل منقطع إذ الماضي لا يجامع الاستقبال أي لكن ما سلف فلا إثم فيه وقيل المراد بالنكاح العقد الصحيح وبالاستثناء ما كان بعضهم يتعاطاه من الزنا فالمعنى ولا تعقدوا على من عقد عليه آباؤكم في الجاهلية إلا ما قد سلف من زناهم فإنه لا يحرم عليكم من زنوا بهن
وقيل متصل بحمل النكاح على الوطء أي لا تطئوا ما وطئ آباؤكم وطئا مباحا بالترويج إلا من كان وطؤها فيما مضى وطء زنا في الجاهلية
وقيل ما مصدرية والمعنى ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم في الجاهلية إلا ما قد تقدم منكم من تلك العقود الفاسدة فمباح لكم الإقامة عليها في الإسلام إذا كانت مما يقر عليه في الإسلام
وحاصل كلام الزمخشري أنه متصل وأن المعنى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم إلا اللاتي مضين وفنين وكون هذا محالا لا يمنع صحة الاستثناء ولا يخرجه عن الاتصال