وقيل إلا بمعنى بعد نحو إلا الموتة الأولى وقيل إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه مقرر عليه لأنه صلى الله عليه وسلم أقرهم عليهن مدة ثم أمرهم بمفارقتهن ليكون إخراجهم عن العادة الرديئة على سبيل التدريج
ورد بأنه لم يقر أحدا على نكاح امرأة أبيه مطلقا بل قال البراء بن عازب مر بي خالي أبو بردة بن نيار ومعه لواء قلت أين تذهب قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده آتيه برأسه وآخذ ماله وفي الرد بذلك نظر لأنه يحتمل أن ذلك كان بعد الأمر بمفارقتهن فلا دليل فيه على نفي ذلك المدعى
وأحسن ما يرد به على قائل ذلك أنه يطالب بإثبات ما قاله من أنه صلى الله عليه وسلم أقرهم مدة ثم أمرهم بمفارقتهن
و كان في إنه كان لا تدل هنا على الماضي فقط لأنها بمعنى لم يزل في علمه وحكمه موصوفا بهذا الوصف قيل وهذا المعنى هو الذي ألجأ المبرد إلى ادعاء زيادتها فمراده بزيادتها ما تقرر من أنها تدل على الماضي فقط وإلا فشرط الزائدة من عدم ذكر الخبر غير موجود هنا
ووجه انتظام الآية الثانية بما قبلها أنه تعالى لما أمر في الآيات المتقدمة بالإحسان إلى النساء أمر في هذه الآية بالتغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة فإن ذلك إحسان إليهن في الحقيقة وأيضا فهو تعالى كما يستوفي لخلقه يستوفي عليهن إذ ليس في أحكامه تعالى محاباة وأيضا فلئلا يجعل أمر الله بالإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن فيكون ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد
وأجمعوا على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا كذا قيل وينافيه ما يأتي عن أبي مسلم إلا أن يقال لا يعتد بخلافه وأطلقت عليه لزيادته في القبح على كثير من القبائح
لا يقال الكفر أقبح منه وكذا القتل ولا يسمى أحدهما فاحشة
لأنا نقول ممنوع عدم تسمية كل منها فاحشة وإنما الصواب أن يقال ولم ترد تسميتهما بذلك
وجوابه حينئذ أن الكفر لا يستقبحه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبيحا بل صوابا وكذلك القتل ويفتخر به القاتل ويعده شجاعة وأما الزنا فكل فاعل له يعتقده فحشا وقبيحا وعارا إلى الغاية
وأيضا فالقوى المدبرة لقوى الإنسان ثلاثة ناطقة وغضبية وشهوانية ففساد الأولى بالكفر والبدع ونحوها والثانية بالقتل ونحوه وأخس هذه القوى الثلاثة الشهوانية فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد فلهذا السبب خص هذا الفعل باسم الفاحشة
ومنكم أي المسلمين وإنما جعل تعالى الشهادة على الزنا أربعة دون غيره تغليظا على المدعي وسترا على العباد وهذا الحكم ثابت في التوراة والإنجيل أيضا كذلك
أخرج أبو داود وغيره عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم ائتوني بأعلم رجل منكم فأتوه باثنين