للعاصي هل جزاء العصيان إلا الخزي والهوان وللمحسن هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
أما بعد فإنه كان ينقدح في نفسي أثناء سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة مدة مديدة وأزمنة عديدة أن أؤلف كتابا في بيان الكبائر وما يتعلق بها حكما وزجرا ووعدا ووعيدا وأن أمد في تهذيب ذلك وتنقيحه وتوضيحه باعا طويلا مديدا وأن أبسط فيه بسطا مفيدا وأن أطنب في أدلته إطنابا حميدا لكني كنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى لما أنه ليس عندي مواد ذلك بأم القرى إلى أن ظفرت بكتاب منسوب في ذلك لإمام عصره وأستاذ أهل دهره الحافظ أبي عبد الله الذهبي فلم يشف الأوام ولا أغنى عن ذلك المرام لما أنه استروح فيه استرواحا تجل مرتبته عن مثله وأورد فيه أحاديث وحكايات لم يعز كلا منها إلى محله مع عدم إمعان نظره في تتبع كلام الأئمة في ذلك وعدم تعويله على كلام من سبقه إلى تلك المسالك فدعاني ذلك مع ما تفاحش من ظهور الكبائر وعدم أنفة الأكثر عنها في الباطن والظاهر لما أن أبناء الزمان وإخوان اللهو والنسيان قد غلبت عليهم دواعي الفسوق والخلود إلى أرض الشهوات والعقوق والركون إلى دار الغرور والإعراض عن دار الخلود ونسيان العواقب وعدم المبالاة بالمعايب حتى كأنهم أمنوا عقاب الله ومكره ولم يدروا أن ذلك الإمهال إنما هو ليحق عليهم قهره إلى الشروع في تأليف يتضمن ما قصدته ويتكفل ببيان جميع ما قدمته ويكون إن شاء الله في هذا الباب زاجرا أي زجر وواعظا وآمرا أي واعظ وآمر ومن ثم سميته الزواجر عن اقتراف الكبائر وأرجو إن تم كما ذكرت أن ينفع الله به البادي والحاضر وأن يجعله سببا لتطهير الباطن والظاهر فهو حسبي ونعم الوكيل وإليه أفزع في الكثير والقليل وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ما شاء الله لا قوة إلا بالله
ورتبته على مقدمة في تعريف الكبيرة وما وقع للناس فيه وفي عدها وما يتعلق بذلك وبابين الأول في الكبائر الباطنة وما يتبعها مما ليس له مناسبة بخصوص أبواب الفقه
الثاني في الكبائر الظاهرة وأرتب هذه على ترتيب أبواب فقهنا معشر الشافعية لما في ذلك من تيسير الكشف عليها في محالها وأما تفاصيل مراتبها فحشا وقبحا فأشير إليه في كل منها بذكر ما يدل عليه ويهدى إليه
وخاتمة في ذكر فضائل التوبة وأما ذكر شروطها ومتعلقاتها فأذكره كما ذكروه في باب الشهادات
ثم في ذكر النار وصفاتها وما اشتملت عليه من أنواع الزواجر والعقاب الأليم
ثم في ذكر الجنة وصفاتها وما اشتملت عليه من أنواع المفاخر والثواب والنضرة