والأحاديث التي ذكرتها صريحة في أكثر ذلك لما فيها من الوعيد الشديد واللعنة للراشي وللمرتشي وللسفير بينهما وإنما قلت في الثانية باطل لقولهم قد يجوز الإعطاء ويحرم الأخذ كما في هذه المسألة وكما يعطاه الشاعر خوفا من هجوه فالإعطاء جائز للضرورة والأخذ حرام لأنه بغير حق ولأن المعطي كالمكره على إعطائه فمن أعطى قاضيا أو حاكما رشوة أو أهدى إليه هدية فإن كان ليحكم له بباطل أو ليتوصل بها إلى نيل ما لا يستحق أو إلى أذية مسلم فسق الراشي والمهدي بالإعطاء والمرتشي والمهدى إليه بالأخذ والرائش بالسعي وإن لم يقع حكم منه بعد ذلك أو ليحكم له بحق أو لدفع ظلم عنه أو لينال ما يستحقه فسق الآخذ فقط ولم يأثم المعطي لاضطراره إلى التوصل إلى حقه بأي طريق كان
وأما الرائش هنا فالذي يظهر أن يقال فيه إنه كان من جهة الآخذ فسق لما تقرر أن الآخذ يفسق مطلقا فمعينه كذلك وإن كان من جهة المعطي فإن كنا حكمنا بفسقه فسق رسوله وإلا فلا
ثم رأيت بعضهم ذكر نحو ذلك في الرائش فقال هو تابع للراشي في قصده إن قصد خيرا لم تلحقه اللعنة وإلا لحقته
ولا فرق في الرشوة المقتضي أخذها الفسق بين قليل المال وكثيره ومن ثم قال الأذرعي في توسطه أطلق شريح الروياني وغيره أن أكل أموال اليتامى وغيرهم بالباطل من الكبائر وكذا أخذها رشوة ولم يفرقوا بين أن يبلغ ذلك ربع دينار وأن لا وكذا أطلق صاحب العدة أكل أموال اليتامى وأخذ الرشوة وجرى على إطلاقه فيها وفي كيل أو وزن الشيخان وسيأتي عن النص ما يشهد له وذلك يورث تضعيف التقييد في المغصوب بربع دينار
انتهى
ومر في الغصب وغيره ما له تعلق بذلك
ومما يدل على أن تحريم الرشوة لا يختص بالقضاة كما صرح به غير واحد خلافا للبدر بن جماعة وغيره ما رواه أحمد عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هدايا العمال غلول
وما رواه أبو داود في سننه عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شفع لرجل شفاعة فأهدى له عليها هدية فقد أتى بابا كبيرا من أبواب الربا
وقال ابن مسعود السحت أن تطلب لأخيك الحاجة فتقضى فيهدي إليك هدية فتقبلها منه
وعن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها فأهدى إليه صاحب المظلمة وصيفا فرده