دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 162
فبعث اللّه نارا، حتى إذا كانت فوقهما، دنا منها عنق فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل، فانصرفوا. وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل، ردّ عليك قربانك، فقال قابيل (لأبيه) : أحببته فصليّت على قربانه، ودعوت له فتقبّل قربانه، وردّ علىّ قربانى، فقال قابيل لهابيل: لأقتلنّك وأستريح منك، دعا لك أبوك، فصلّى على قربانك فتقبّل منك، وكان يتواعده بالقتل.
وفى رواية لابن جرير الطبرى: فجاءت النار فنزلت بينهما، فأكلت الشاة، وتركت الزرع، وأن ابن آدم قال لأخيه: أتمشى في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبّل منك، وردّ على- فلا واللّه لا ينظر الناس إلىّ، وأنت خير منّى، فقال لأقتلنك، فقال له أخوه: ما ذنبى .. إنما يتقبل اللّه من المتقين.
فهذا الأثر يقتضى أن تقريب القربان كان لا عن سبب، ولا عن تدارئ في امرأة- كما تقدم- وهو ظاهر قوله تعالى:
إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، قالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27]
فالسياق يقتضى إنه إنما غضب عليه وحسده بقبول قربانه دونه.
ثم المشهور عند الجمهور- أن الذى قرّب الشاة هو هابيل، وأن الذى قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره: إنها الكبش الذى فدى به الذبيح اسماعيل- عليه السلام- وهو مناسب. واللّه أعلم.
(قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ) أى قال قابيل لأخيه هابيل لأقتلنّك، قال: لم؟ ..
قال: لأنه تقبل قربانك ولم يتقبل قربانى، قال: وما ذنبى في أن اللّه لم يتقبل منك، فأصلح نفسك، وقدّم مخلصا لوجه اللّه إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أى إنما يتقبل ممن اتقى ربه، وأخلص نيته.