دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 209
وهذه المناسك أبقى عليها الإسلام تماما، وعلمنا إياها رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- في حجة البلاغ أو حجة الوداع- وقال:"لتأخذوا عنّى مناسككم" [متفق عليه] ، وهى: الطواف، والسعى، والوقوف بعرفة، ورمى الجمار، وذبح الهدى ... إلخ.
وكانت كل شعيرة من هذه الشعائر ترتبط بموقف كان إبراهيم طرفا فيه، أو ابنه إسماعيل، أو زوجته هاجر.
فالسعى: تخليد لذكرى سعى هاجر أم إسماعيل جدّ العرب، وتردادها بين جبلى الصفا والمروة، وهى حائرة ملتاعة تبغى إنقاذ وليدها إسماعيل من العطش.
والشرب من زمزم: تخليد لذكرى شربها وهى ظمآنة، بعد أن أنزل اللّه جبريل عليه السلام، ليقول لها: لا تخافى الضيعة، فإن ههنا بيتا للّه يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن اللّه لا يضيع أهله.
وذبح الهدى والأضحية: حيث يتقرب بها المسلم إلى ربه عز وجل لتكون تكفيرا لما جنته يداه من الذنوب والآثام هى في الوقت نفسه تخليد يحمل في طياته (ذكرى الفداء) ذكرى إقدام الخليل إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- على ذبح ولده، امتثالا لأمر ربه، حين أمره بذبح ولده- في المنام- اختبارا لقوة إيمانه، ومقدرته على تحمّل التضحية، والصبر على البلاء المبين، حين بشّر بغلام حليم:
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فَانْظُرْ ما ذا تَرى؟ قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
[الصافات: 102 - 110]