دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 23
هذه النظرة العلمية قد يكون لها ما يبررها، ذلك أن المفسرين القدماء قد توسعوا توسعا كبيرا في عرض القضايا النحوية والصرفية، وحشوا تفاسيرهم بالعديد من المسائل، التى أثقلت التفسير، بحيث جعل القارئ يتوه في خضم هذه الآراء، والتحليلات، والمناقشات الفقهية .. إلى آخر هذه المسائل.
كما أنهم تورّطوا تورطا شديدا، حين نقلوا الكثير من الإسرائيليات المدسوسة في مصنفاتهم استنادا إلى الرخصة التى منحها لهم رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- بقوله:
"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد"
هذه الإسرائيليات كانت سببا في إفساد المعنى، الذى يبدو بادى الرأى من الآيات الكريمات. أضف إلى ذلك، أن بعض كتب التفسير القديمة، التى أخذت ذلك المأخذ، واتجهت إلى الإكثار من القصص والأساطير الإسرائيلية، وضعت ستارا كثيفا بين الآيات الكريمة، ونورانيّاتها المشرقة.
فهؤلاء العلماء المحدثون، يريدون أن يجد تالى القرآن الإشراق والنور، من غير حجب يحجبها، من روايات ما أنزل اللّه بها من سلطان.
والذى لا شك فيه، أن لرأيهم هذا وجاهته، فإننا بلا شك لو تتبعنا أكثر آيات القرآن، التى لم تتعرض للأحكام العملية، نجدها واضحة بينة، وإن استبهمت علينا بعض الكلمات لبقايا العجمة فينا، فإن المعاجم اللغوية تحل لنا إشكالنا، وهو لنقص فينا- وليس إبهام في القرآن، ينافى وصفه بأنه مُبِينٌ،* وآياته بَيِّناتٍ.* وإذا كان ثمة موضع للتفسير، فإنه يكون بتوجيه الأنظار لأسرار القرآن البيانية، والمرتبة العليا البلاغية، التى لا تناهد ولا تسامى، وليس في قوة أحد من البشر أن يأتى بمثلها.