دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 256
ولهذا قال تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: 34] أى أجاب اللّه دعاءه، فنجاه من مكرهن، وثبّته على العصمة والعفة، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ أى لدعاء الملتجئين إليه. الْعَلِيمُ بأحوالهم، وما انطوت عليه نياتهم.
وهكذا اجتاز يوسف محنته الثالثة بلطف اللّه ورعايته. ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف: 35] وهذه هى بداية المحنة الرابعة، وهى الأخيرة، من محن الشدة في حياة يوسف الصديق، وهى محنة السجن، وكل ما بعدها فرخاء.
والمعنى: ثم ظهر للعزيز وأهله، ومن استشارهم، بعد الدلائل القاطعة على براءة يوسف، سجنه إلى مدة من الزمن غير معلومة، ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية، وأحمد لأمرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها، فسجن بسببها، فسجنوه ظلما وعدوانا، وكان هذا مما قدّر اللّه له، ومن جملة ما عصمه به، فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم.
روى أن جبريل- عليه السلام- جاء إلى يوسف، وهو في السجن، معاتبا له، فقال له:
-يا يوسف من خلّصك من القتل من أيدى إخوتك؟ قال: اللّه تعالى.
قال: فمن أخرجك من الجب؟ قال: اللّه تعالى.
قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: اللّه تعالى.
قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: اللّه تعالى.
قال: فكيف تركت ربك فلم تسأله، ووثقت بمخلوق؟