دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 345
فتضرع عيسى ابن مريم إلى اللّه عز وجل، لتلبية طلبهم قائلا: ربنا ..
يا مالك أمرنا، ومتولى شئوننا، أنزل علينا مائدة من عندك لتكون لنا مؤشرا على رضاك عنا، ومبعث فرح وسرور، ويوم نزولها نتخذه عيدا نجتمع فيه للعبادة والشكر، ويعود علينا في كل عام باليمن والإقبال، لأولنا وجودا، وآخرنا كذلك، وتكون آية منك، ودلالة وحجة ترشد القوم إلى دعوتى، وصدق رسالتى، وارزقنا بما به نقيم أودنا، ونغذى أجسامنا، فأنت خير الرازقين، ترزق من تشاء بغير حساب.
قال اللّه تعالى: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ وقد نزلت إذ وعده الحق، وقوله الصدق.
فمن يكفر بعد نزول هذه الآية المقترحة، فإنى أعذبه عذابا شديدا، لا أعذب هذا العذاب لأحد من العالمين، إذ اقتراح آية بعد الآيات الكثيرة، التى نزلت- كهذه المائدة- آية يشترك في إدراكها كل الحواس، ثم بعد هذا يكفر بها، فإنه يستحق من اللّه عذابا دونه عذاب الكفار جميعا.
هذا الجدل يراد به التعجيز، بل إنه ليحمل معنى الشك والسخرية، وعمى البصيرة عن إدراك معنى الألوهية، فقد أصبحت الألوهية في نظرهم، مجردة عن معناها الحقيقى، وأصبحت آية وجود اللّه هى أن ينزّل مائدة من السماء إن استطاع، وأصبح اطمئنانهم وعلمهم بصدق دعوة الإيمان، وشهادتهم بذلك، متوقفة على نزول هذه المائدة من السماء.
كان هذا إحراج لنبى اللّه عيسى- عليه السلام- كان يدعوهم إلى ما هو أسمى من ذلك وأعظم، ومع ذلك استجاب عيسى لإلحاحهم عساه يبلغ من نفوسهم ما يريد، فطلب من اللّه أن ينزل هذه المائدة، حتى تكون عيدا وآية في نفس الوقت.