دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 352
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ [المائدة: 116، 117]
هذا سؤال من اللّه عز وجل- لعيسى ابن مريم خاصة، حتى يجيب، فتكون إجابته توبيخا لمن ادعى غير إجابته، ودليلا على أن قومه غيروا بعده وبدلوا، وادعوا عليه كذبا وبهتانا لم يقله، وإنكاره بعد سؤاله أشد في التوبيخ، وأبلغ في التكذيب.
وإذ قال اللّه لعيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين، متجاوزين بذلك توحيد اللّه، وإفراده بالعبادة والتقديس؟. فاللّه يسأل للإنكار والتوبيخ، أقالوا هذا القول، وافتروا هذه الفرية بأمر منك، أم هو إفتراء وإختلاق من عند أنفسهم، واتخاذ الآلهة من دون اللّه، يكون بعبادتهم، أو إشراكهم في العبادة، على معنى أن لهم تصريفا، أو أنهم يقربون إلى اللّه زلفى ..
قال عيسى: سبحانك يا رب، وتنزيها لك وتقديسا، ما يكون لى، ولا ينبغى لى أن أقول ما ليس بحق أصلا، وكيف يصدر منى هذا وقد عصمتنى بروح من عندك، إن كنت قلته فقد علمته، فأنت تعلم الغيب والشهادة، وتعلم سرى وضميرى، وأنا لا أعلم شيئا مما استأثرت به من بحار علمك، إنك أنت علام الغيوب.
لقد جاء هذا التوضيح القرآنى للحقيقة في صورة هذا الحوار بين اللّه ورسوله عيسى، بعد أن وضع بنو إسرائيل رسولهم في المحنة، وعرضّوه للإمتحان الرهيب أمام اللّه، وأمام نفسه.