دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 364
أى وصبّرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد، والسعادة والنعمة، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين، أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبّار عنيد يقال له"دقيانوس"، وكان يأمر الناس بذلك، ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذى يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم، والذبح لها لا ينبغى إلّا للّه، الذى خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه، وينحاز منهم، ويبتعد عنهم من ناحية، فكان أول من جلس منهم أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر .. وجاء الآخر- ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذى جمع قلوبهم على الإيمان- كما جاء في الحديث الذى روته أم المؤمنين عائشة- رضى اللّه عنها: قالت:"قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".
والغرض .. أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفا منهم، ولا يدرى أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون واللّه يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم، وأفردكم عنهم إلا شئ، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا فإنى واللّه رأيت ما قومى عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذى يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيئا هو"اللّه"الذى خلق السموات والأرض وما بينهما.
وقال الآخر: وأنا واللّه وقع لى كذلك، وقال الآخر: كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدا واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا