دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى، ص: 59
الصغير، يجسّم له بعض الصور من خلال تعبير، وإنها لصور ساذجة، ولكنها كانت تشوّق نفسه، وتلذّ حسّه، فيظل حقبة غير قصيرة يتملاها، وهو بها فرح، ولها نشيط.
وَضرب الشيخ سيد قطب- على الصور الساذجة- أمثلة عدة، كانت ترتسم في خياله كلما قرأ شيئا من القرآن. ومن تلك الأمثلة، قوله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ [الحج: 11]
قال: (كان يشخص في مخيلتى رجل قائم على حافة مكان مرتفع- مصطبة، فقد كنت في القرية، أو قمة تل ضيقة، فقد رأيت التل المجاور للوادى، وهو قائم يصلى، ولكنه لا يملك موقفه، فهو يتأرجح في كل حركة، ويهمّ بالسقوط، وأنا بإزائه أتتبع حركاته، في لذة وشغف عجيبين) .
"تلك أيام .. ولقد مضت بذكرياتها الحلوة، وبخيالاتها الساذجة، ثم تلتها أيام، ودخلت المعاهد العلمية، فقرأت تفسير القرآن في كتب التفسير، وسمعت تفسيره من الأساتذة، ولكننى لم أجد فيما أقرأ، أو أسمع، ذلك القرآن اللذيذ الجميل، الذى كنت أجده في الطفولة والصبا".
"وا أسفاه، لقد طمست كل معالم الجمال فيه، وخلا من اللذة والتشويق، ترى هل هما قرآنان؟ قرآن الطفولة العذب، الميسّر المشوق، وقرآن الشباب العسر المعقد الممزّق؟ .. أم تلك جناية الطريقة المتبعة في التفسير."
"وعدت إلى القرآن أقرؤه في المصحف، لا في كتب التفسير، وعدت أجد قرآنى الجميل، الحبيب، وأجد صورى المشوقة اللذيذة، إنها ليست فى"