قال عياض: هذا ممّا اختلف فيه السّلف.
فمنهم من نحا إلى ما قال الطّبريّ.
ومنهم من عكس , واحتجّ بقوله تعالى (أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا) قال: والحقّ أنّ هذه الآية في الكفّار , وقد أخذ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالأمرين.
قلت: لا يدلّ ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على إحدى الصّفتين، والحقّ أنّ ملازمة استعمال الطّيّبات تفضي إلى التّرفّه والبطر ولا يأمن من الوقوع في الشّبهات , لأنّ من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانًا فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور , كما أنّ منع تناول ذلك أحيانًا يفضي إلى التّنطّع المنهيّ عنه.
ويردّ عليه صريح قوله تعالى (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطّيّبات من الرّزق) كما أنّ الأخذ بالتّشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلًا , وترك التّنفّل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النّشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط.
وفي قوله"إنّي لأخشاكم لله"مع ما انضمّ إليه إشارة إلى ذلك.
وفيه أيضًا إشارة إلى أنّ العلم بالله ومعرفة ما يجب من حقّه أعظم قدرًا من مجرّد العبادة البدنيّة، والله أعلم.