فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 393

ثم إن طبيعة العربي تميل إلى كونه حساسًا إلى درجة أن ألم الفَقْدِ يدفعه فينطق لسانه ببيان محامد من فقده ، وموضع الآلام في نفسه ، والرثاء ميدان واسع للقول البليغ ، يكشف فيه اللسان عن ألم اللوعة وحزها في النفس ، إذ ينفتق بما انفطر به القلب ، وانشقت المرائر لاسيما إذا كان المتوفى من العظماء المخلصين من الولاة والعلماء ممن تثلب الأمة بوفاتهم .

والواقع أنني لم أقف على ما يكون شافيًا كافيًا من كلام أهل العلم حول هذه المسألة التي هي رثاء الميت ، غير أنها قد تندرج في كلامهم بعض الأحيان من خلال حديثهم عن مسألة النياحة والحديث عنها . وسأذكر هنا ما وقفت عليه من كلام أهل العلم على وجه الاختصار للإفادة ؛ فأقول وبالله التوفيق:

قال البخاري في صحيحه: باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد ابن خولة ((820) انظر: صحيح البخاري: الجنائز ، باب ( 36 رقم 1295 ) . 820) .

وذكر بسنده عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي ، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة ، أ فأتصدق بثلثي مالي ؟ قال: لا . فقلت: بالشطر ؟ فقال: لا . ثم قال: الثلث والثلث كبير - أو كثير - إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها ، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك ، فقلت: يا رسول الله ، أخلف بعد أصحابي ؟ قال: (( إنك لن تخلف فتعمل عملًا صالحًا إلا ازددت به درجة ورفعة ، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ، اللهم امض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد ابن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت