فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 393

فعلى الخطيب أن يتقى الله سبحانه ، وأن يحسن الطرح في خطبته لاسيما في خطب النوازل والأحداث العامة التي ينتظر فيها جمهور الناس ما يقوله الخطباء ويرددونه فضلًا عن صعوبة بعض النوازل واشتباكها وعدم وضوح أبعاد معظمها ، بل قد يكون بعضها من الفتن التي يكون الماشي ، فيها خيرًا من الساعي ، والقاعد خيرًا من الماشي ، والساكت خيرًا من المتحدث ، فعلى الخطيب أن يقول الحق إن استطاع وإلا فليصمت ولا يقولن الباطل ؛ لأن من تدخل في مثل تلك النوازل الغامضة ربما كثر سقطه ، ثم وقع فيما قال أبو حاتم البستي رحمه الله بقوله:"والسقط ربما تعدى غيره فيهلكه في ورطة لا حيلة له في التخلص منها ؛ لأن اللسان لا يندمل جرحه ولا يلتئم ما قطع به ، وكلْمُ القول إذا وصل إلى القلب لم ينزع إلا بعد مدة طويلة ، ولم يستخرج إلا بعد حيلة شديدة ، ومن الناس من لا يكره إلا بلسانه ، ولا يهان إلا به . فالواجب على العاقل ألا يكون ممن يهان به" ((225) انظر: روضة العقلاء ص (56 ) .225) . اهـ .

إذا يتبين لنا من خلال ما سبق أن الأصل في الخطبة هو العدل وقول الحق ودلالة الناس للصواب ، فإن لم يستطع الخطيب ذلك لأسباب كثيرة يصعب حصرها ؛ فإن سكوته خير ، وإن عدم خوضه فيما لا يمكن العدل فيه أنفع له من التحدث بالخطأ ، أو الحق الذي يعتريه باطل من جهة لا يشعر بها الخطيب . وذلك كما قال أبو حاتم البستي رحمه الله:"لأنه إذا قال ربما ندم ، وإن لم يقل لم يندم ، وهو على ردِّ ما لم يقل أقدر منه على ردِّ ما قال ، والكلمة إذا تكلم بها ملكته ، وإن لم يتكلم بها ملكها ، والعجب ممن يتكلم بالكلمة إن هي رفعت ربما ضرته ، وإن لم ترفع لم تضره كيف لا يصمت ((226) انظر: المصدر السابق ص ( 45) .226) . اهـ ."

ولقد أحسن ابن زنجي البغدادي حين قال:

لئن كان يجني اللوم ما أنت قائل

فلا تبد قولًا من لسانك لم يرُضْ

ولم يك منه النفع فالصمت أيسرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت