(( وكذلك كانت خطبه صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، ولقائه ، وذكر الجنة والنار ، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته ، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته ، فيملأ القلوب من خطبته إيمانًا وتوحيدًا ، ومعرفة بالله وأيامه ، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورًا مشتركة بين الخلائق وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت ، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانًا بالله ، ولا توحيدًا له ، ولا معرفة خاصة به ، ولا تذكيرًا بأيامه ، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه ، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة ، غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ، ويبلي التراب أجسامهم . فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا ؟ وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به ((228) قد يفهم البعض من كلام ابن القيم هنا - لأول وهلة - أنه يحقر من جانب التزهيد في الدنيا والتخويف بالموت ، وهذا ليس بصحيح ، وإنما هو رحمه الله يعيب على من لا يربطون هذا التزهيد وهذا التخويف بمقاصدهما من خطورة الانغماس في الدنيا وما يفوته من مصالح الأخرة وإقامة توحيد الله في أرضه ، وكذلك الموت بتذكير الناس بحسابهم وحالهم من بعده وما سيلقونه من جنة أو نار ، وغير ذلك مما أعده الله لعباده المؤمنين والكافرين . هذا هو مراد ابن القيم رحمه الله وقد تبع فيه ما ذهب إليه شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومن قبله أبو المعالي الجويني . وللشيخ محمد بن إبراهيم كلام جيد حول هذا المعنى . انظر إلى ذلك كله مفصلًا في مبحث ( قول بعض أهل العلم: لا يكفي مجرد التحذير من الدنيا وزخرفها في الخطبة ) من هذا الكتاب . 228) ؟! .