وأما الشيخ محمد أبو زهرة فقد تحدث عن ميزات خطب المتقدمين بنحو ما ذكر جمال الدين القاسمي ، ثم أخذ يذكر ما وصلت إليه الخطب بعد تلك العصور ، فكان مما قال: فيها المبالغة والإغراق ، لكثرة النفاق ، والخداع والملق والمدح ، فإن هذه الأمور صوت الصدق خافتًا ، وصوت الكذب عاليًا ، والمبالغات والغلو ترد من أبواب الكذب ، حيث تختفي الصراحة ، هذا إلى أن تسابق الخطباء في مدح الخلفاء جعل كلًا يجتهد في المعاني ، والغوص فيها ؛ ليصلوا إلى قصب السبق قبل غيرهم ، وذلك يدفعهم حتمًا إلى الإغراق . وقد كانت جمهرة الأمة في صدر الدولة ممن يقيمها القول البليغ ويقعدها ، يفقهون مرامي العبارات ، ومرامي الكلام ، فكان من حالهم مشجع للخطباء على القول ، فلما حالت الحال ، وغلبت العجمى ، لم يكن من القوم من يحسن الاستماع ، ولا من الخطباء من يجيد البيان ، كما أن قعود الخلفاء عن الخطابة وإنابة غيرهم منابهم في الصلاة بالناس كانت سببًا في استهانة الناس بمواقف الخطابة تقليدًا لخلفائهم ، ومحاكاة لأمرائهم ، والناس لملوكهم تبع ، وقد تبع استهانة الناس بالخطابة استهانتهم بالخطيب ، وقلة احترامهم له ، وبهذا ضعفت الرغبة في القول ((248) انظر: الخطابة ص ( 308 ، 340 ، 341 ) بتصرف يسير . 248) . اهـ .