فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 393

وأما الشيخ علي الطنطاوي فله كلام جيد حول قوة الخطب عند المتقدمين ، وما امتازت به خطبهم ، ثم عرّج على خطب المتأخرين واصفًا إياها بالضعف والتراجع ، فكان مما قال:"لو كان عشر هذه المنابر في أيدي جماعة من الجماعات العامة المنظمة ، لصنعت بها العجائب . فما بالنا وهي في أيدينا لا نصنع بها شيئًا . كان للرسول صلى الله عليه وسلم منبر واحد ، دعا منه فلبَّت الدنيا ، واستجاب العالم ، وترك به على الأرض أعظم أثر عرفه تاريخ الأرض ، وعندنا اليوم مائة ألف منبر مبثوثة ما بين آخر أندونيسيا وآخر المغرب ، كلها مزخرف منقوش ، استنفد جهد أهل العمارة ، وعبقرية أهل الفن ، وفيها المكبرات والإذاعات ، تحمل الصوت منها إلى آفاق الأرض ، فيُسْمعُ خطباؤها الملايين ، ولا نرى لها مع ذلك أثرًا في إصلاح ، ولا عملًا في نهضة ولو سألت من شئت من المصلين عن هذه الخطب ، لسمعت منه طرفًا من عيوبها ."

فمن عيوبها هذا التطويل ، وهذا الإسهاب حتى لتزيد الخطبة الواحدة أحيانًا على نصف ساعة ، مع أن السنة تقصير الخطبة ، وتطويل الصلاة .

ومن عيوبها: أنه ليس للخطبة موضوع واحد معين ، بل تجد الخطيب يخوض في الخطبة الواحدة في كل شيء .

ومن عيوبها: أن الخطيب ( أعني بعض من يخطب ) يحاول أن يصلح الدنيا كلها بخطبة واحدة ، فلا يخاطب الناس على قدر عقولهم ، ولا يكلمهم على مقتضى أحوالهم ، ولا يسير بهم في طريق الصلاح خطوة خطوة ، بل يريد أن يبلغوا الكمال بقفزة واحدة ، مع أن الطفرة في رأي علمائنا محال .

ومن عيوبها: أنها صارت ( كليشات ) معينة ، ألفاظ تردد وتعاد ، لاسيما في الخطبة الثانية ، مع أن الخطبة الثانية لا تختلف في أصل السنة عن الأولى ، وما يلتزمه الخطباء فيها من الصلاة الإبراهيمية ، والتراضي عن الخلفاء والتابعين بأسمائهم ، لم يلتزمه أحد من السلف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت