فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 393

ومما لاشك فيه أن الارتجال هو الأكمل في الخطابة وهو أصلها ، وهو علامة الملكة والقدرة . وحاجة الخطيب في الجملة إلى الارتجال أمر لاشك في استحسانه ، إذ القدرة عليه من ألزم الصفات للخطيب الناجح ، وما ذاك إلا لحاجته أحيانًا إلى البديهة الحاضرة ، والخاطر السريع ، الذي يفرضه عليه واقع الأمر فيما يكن قد أعدَّ له من قبل . وقد روي أن أبا جعفر المنصور كان يخطب مرة فقال:"اتقوا الله ، فقال رجل: أذكّرك من ذكّرتنا به . فقال أبو جعفر: سمعًا سمعًا لمن فهم عن الله وذكّر به ، وأعوذ بالله أن أذكّر به وأنساه فتأخذني العزة بالإثم ، لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين ، وما أنت ؟ والتفت إلى الرجل فقال: والله ما الله أردت بها ، ولكن ليقال قام فقال ، فعوقب فصبر ، وأهون بها لو كانت العقوبة وأنا أنذركم أيها الناس أختها ، فإن الموعظة علينا نزلت وفينا نبتت ، ثم رجع إلى موضعه من الخطبة ((250) انظر: الخطابة لمحمد أبي زهرة ص (143 ) . 250) . اهـ ."

قلت: فها هو المنصور حينما قدر على الارتجال استطاع أن يأتي بهذا النوع من الكلام المسكت . بخلاف الخطابة من الورق لأنها تعدُّ من قبل ، ولا يزل عنها الخطيب قيد أنملة ؛ فلم يكن فيها ما يدل على الملكة الآنية ، بل إن بعض أهل العلم يجعلها نوعًا من المعايب إلى عهد ليس بالبعيد . كما ذكر ذلك الشيخ علي محفوظ عضو جماعة كبار العلماء بالأزهر والمتوفى سنة 1361 هـ .

فقد قال في كتابه"الإبداع في مضار الابتداع"ما حاصله:"أما ما يقع من بعض العامة حين نزول الخطيب من على المنبر من التمسح بكتفه وظهره فمما لا أصل له ، وكذلك البيارق التي تنصب على جانبي المنبر والستارة التي تسبل على بابه ، وبعض الخطباء يستتر بهذه البيارق ؛ لأنه لسوء حفظه يقرأ الخطبة في الورق ، وبذلك يضيع أثر الخطبة في نفوس السامعين ((251) انظر / الإبداع في مضار الابتداع ص ( 177 ) . 251). اهـ ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت