قلت: بيد أن الأمور في هذا العصر قد اختلفت ، فقد ضعفت اللغة لدى كثير من الناس ، وقلَّ الاعتياد على الارتجال في الخطب في كثير من الأصقاع حتى اختلفت أعراف الخطباء في ذلك ، فصار كثير منهم لا يرتجلون إما رغبة منهم ، أو من باب عدم القدرة . ولكن لسائل أن يسأل أيهما أفضل ؟ الارتجال أم الخطبة بالقراءة من الورق ؟ .
فالجواب: هو أنه لاشك في أن الارتجال هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم ومن جاء من بعدهم. ولكن هل فعله صلى الله عليه وسلم هذا للتعبد أم أنه فعل جبلي؟
الذي يظهر لي - والله أعلم - أنه فعل جبلي ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أميًا . ولكن قد يشكل على هذا فعل الصحابة رضي الله عنهم حيث إن بعضهم كانوا يرتجلون مع علمهم بالقراءة والكتابة .
ولعل من المناسب هنا أن أقول: ينبغي أن ينظر في المسألة:
فإن كان الخطيب ممن لديه ملكة الارتجال ، بحيث يجيد مخارج الحروف مع إعرابها خالية من اللحن والتلعثم ((252) تلعثم عن الأمر: نكل وتمكَّث وتأَنَّى وتبصَّر . لسان العرب ( مادة لعثم ) . 252) والكلام المكرر ، أو أن يرتج عليه كثيرًا بحيث تفقد هيبة الخطيب والخطبة ، فإن الارتجال هنا أفضل وأكمل .
وأما إن كان الأمر غير ذلك ، فإن الخطابة بالورق أكثر نفعًا ، بحيث لا يخرج الخطيب عن الموضوع أو ينسى أو يزل أو يلحن . ولعل الأمر في ذلك واسع والله الموفق .
قال ابن مفلح: قال أبو المعالي وابن عقيل: ولمن لا يحسن الخطبة قراءتها من صحيفة . قال: كالقراءة في الصلاة لمن لا يحسن القراءة في المصحف . كذا قال . وسبق أن المذهب لا بأس بالقراءة في المصحف . قال جماعة: كالقراءة من الحفظ فيتوجه هنا مثله ؛ لأنه الخطبة شرط كالقراءة ((253) انظر: الفروع (2 / 117 ) . 253) . اهـ .