فقال: أقم معها، بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثا إن طلّقتك. قال ابن عقيل: وله جواب آخر، أن يقول كقولها: أنت طالق ثلاثا (بفتح التاء) فلا يحنث. وقال ابن الجوزي: وأيضا فما كان يلزمه أن يقول لها ذلك على الفور. فكان له أن يتمادى إلى قبل الموت. قلت: ولو قال لها: أنت طالق ثلاثا، وعنى الاستفهام، لم تطلق. ولو قال:
طالق ثلاثا، ونوى به الطّلق لا الطّلاق، لم تطلق أيضا في الباطن. وجواب آخر على قاعدة من يراعي سبب اليمين، ونيّة الحالف، أنه ليس عليه، أن يقول لها كقولها. فإن نيّته كانت إذا آذته بكلام، أن يقول لها ما يؤذيها. وهذه ما كانت تتأذى بالطلاق. لأنها ناشزة مضاجرة ولأنّ الحالف عنده هذه الكلمة، مستثناة بقرينة الحال. كما استفتى من عموم إطلاقه كقوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [1] و {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [2] فخرج من هذا العموم أشياء بالضرورة، وهذا فصيح في كلام العرب سائغ، لأن الحالف، لم يرده، ولا قصد إدخاله في العموم أصلا، كما لم يقصد إدخال كلمة الكفر لو كفرت.
فقالت له: أنت ولد الله، تعالى الله، أو سبّت الأنبياء. فما كان يحنث بسكوته عن مثل قولها. وقال الفرغاني: رحل ابن جرير لما ترعرع من آمل، وسمح له أبوه في السفر.
وكان طول حياته يبعث إليه بالشيء بعد الشيء إلى البلدان. فسمعته يقول: أبطأت عنّي نفقة والدي، واضطررت إلى أن فتقت كمّي القميص فبعتهما. وقال ابن كامل: توفي عشيّة الأحد، ليومين بقيا من شوّال سنة عشر، ودفن في داره برحبة يعقوب [3] ، ولم يغيّر شيبة، وكان السواد في رأسه ولحيته كثيرا، وكان أسمر [4] إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، مديد القامة، فصيحا. واجتمع عليه من لا يحصيهم إلا الله، وصلّي على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب. من ذلك قول ابن سعيد بن الأعرابي [5] : [من الخفيف] :
حدث مفظع وخطب جليل ... دقّ عن مثله اصطبار الصّبور
قام ناعي العلوم أجمع لمّا ... قام ناعي محمد بن جرير
(1) سورة النمل (27) الآية 23.
(2) سورة الأحقاف (46) الآية 25.
(3) ابن الجوزي: المنتظم 13/ 217.
(4) ابن الجوزي: المنتظم 13/ 215.
(5) البيتان في: ابن الصلاح: طبقات فقهاء الشافعية 1/ 111، وتاريخ بغداد 2/ 169166، والسبكي طبقات 3/ 126.