الجمزاني يقول: لم نشعر يوم الجمعة، وإذا بالأشعري قد طلع على منبر الجامع بالبصرة بعد الصلاة، ومعه شريط فشدّه على وسطه، ثم قطعه. وقال: اشهدوا عليّ أني كنت على غير دين الإسلام، وإني أسلمت الساعة، وإني تائب من الاعتزال. ثم نزل [1] . قال أبو عمرو الزّجاجي: سمعت ابا سهل الصعلوكي يقول: حضرنا مع الأشعري مجلس علويّ بالبصرة، فناظر أبو الحسن المعتزلة، وكانوا كثيرا حتى أتى على الكلّ فهزمهم.
كلّ ما انقطع واحد، أخذ الآخر، حتى انقطعوا، فعدنا في المجلس الثاني فما عاد أحد فقال: بين يدي العلوي: اكتب على الباب فرّوا. وقال أبو الحسن علي بن محمد بن يزيد الحلبي: سمعت أبا بكر بن الصّيرفي يقول: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم، حتى أظهر الله الأشعري، فحجرهم في أقماع السّمسم [2] . وابن الصيرفي هذا من كبار الأئمة الشافعية. وقال ابن الباقلّاني [3] : سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: دخلت البصرة، وكنت أطلب أبا الحسن، فإذا هو في مجلس يناظر، وثمّ جماعة من المعتزلة، فكانوا يتكلمون، فإذا سكتوا وأنهوا كلامهم. قال: كذا قلت، وكذا وكذا، والجواب كذا، وكذا، إلى أن يجيب الكلّ. فلما قام تبعته، فقلت: كم لسان لك؟ وكم أذن لك؟ وكم عين لك؟ فضحك وقال: من أين أنت؟ قلت: من شيراز. وكنت أصحبه بعد ذلك. وقال ابن باكويه: سمعت ابن خفيف، فذكر حكاية وفيها: فحملني أبو الحسن إلى دار لهم، تسمى دار الماوردي، فاجتمع به جماعة من مخالفيه، فقلت له:
تسألهم مسألة؟ فقال: السّؤال بدعة، لأني أظهرت بدعة أنقض بها كفرهم. وإنما هم يسألوني عن منكرهم فيلزمني ردّ باطلهم إلزاما. فسالوه، فتعجبت من حسن كلام الشيخ أبي الحسن حين أجاب. ولم يكن في القوم من يوازيه في النّظير [4] . قال ابن عساكر:
قرأت بخطّ عليّ بن نقاء المصري المحدّث، في رسالة كتب بها، أبو محمد بن أبي زيد القيرواني [5] المالكي. جوابا لعلي بن أحمد بن إسماعيل البغدادي المعتزلي، حين ذكر الأشعري، ونسبه إلى ما هو منه بريء، فقال ابن أبي زيد في حقّ الأشعري: هو رجل مشهور إنه يردّ على أهل البدع، وعلى القدريّة الجهميّة، متمسّك بالسّنن. قال الأستاذ
(1) تبيين كذب المفتري، لابن عساكر ص 40، والفهرست ص 257، طبقات الشافعية 2/ 345.
(2) تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي 11/ 347، ابن كثير: البداية 11/ 187.
(3) تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي 11/ 346، 347.
(4) تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي 11/ 346، 347، وابن الجوزي: المنتظم 14/ 29، 30.
(5) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ص 123.