مهجورا بسبب المذهب، وكان بين الحنابلة، والأشعرية تعصّب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصراع طويل [1] وقام إليه أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد يقتل [2] . وقال أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ: ذكر الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد الإصبهاني عمّن أدرك من شيوخ إصبهان، أن السلطان محمود بن سبكتكين لما استولى على إصبهان أمّر عليها واليا من قبله ورحل عنها، فوثب أهلها بالوالي فقتلوه. فردّ السلطان محمود إليها، وأمّنهم حتى اطمأنّوا ثم قصدهم يوم جمعة وهم في الجامع فقتل منهم مقتلة عظيمة. وكانوا قبل ذلك قد منعوا أبا نعيم الحافظ من الجلوس في الجامع، فسلم مما جرى عليهم. وكان ذلك من كرامته [3] . وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سمعت عبد الوهاب الأنماطيّ يقول: رأيت بخط أبي بكر الخطيب: سألت محمد بن إبراهيم العطار مستملي أبي نعيم، عن «جزء محمد بن عاصم» كيف قرأته على أبي نعيم؟
وكيف رأيت سماعه؟ فقال: فأخرج إليّ كتابا وقال: هو سماعي. فقرأت عليه. قال السّلمي في الطبقات الكبرى: ليس في هذه الحكاية طعن على أبي نعيم، بل حاصلها أن الخطيب لم يجد سماعه بهذا الجزء، فأراد إسناد ذلك من مستمليه فأخبر إنه اعتمد في القراءة على إجازة الشيخ وذلك كاف، وفنّد مع الحافظ أبو عبد الله ابن النجار، قصة «جزء محمد بن عاصم» . كان [من] الحفّاظ الأثبات، روى عن أبي نعيم. قال السلمي في الطبقات الكبرى، إن كان شيخنا الذهبي يقول ذلك في مكان عمل على طيّه، أن أبا نعيم لم يسمعه بخصوصه من عبد الله بن جعفر، فالأمر مسلّم إليه. فإنه أعني شيخنا الحي، الذي لا يلحق شأوه في الحفظ. وإلا فأبو نعيم قد سمع من عبد الله بن جعفر، فمن أين يطلق هذه العبارة؟ حيث لا يكون سماع، ثم وإن أطلق إذ ذاك معاينة فإنه ليس جائز قلت: أعتقد [أنه لم يكن] أسند ولا أعظم من أبي نعيم.
قال الخطيب: وقد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها أنه يقول في الإجازة:
«أخبرنا» ، من غير أن [4] يبيّن. وهذا ما يفعله نادرا، فإنه كثيرا ما يقول: كتب إليّ جعفر الخلديّ، كتب إليّ أبو العباس الأصم، ثنا أبو الميمون بن راشد في كتابه، ولكن
(1) انظر: تذكرة الحفاظ 3/ 1095، سير أعلام النبلاء 17/ 459.
(2) الذهبي: تذكرة الحفاظ 3/ 1095، وسير أعلام النبلاء 17/ 460459.
(3) السبكي: طبقات الشافعية 4/ 21، 22، تبيين كذب المفتري 247.
(4) ابن الجوزي: المنتظم 15/ 268، السبكي: طبقات الشافعية 4/ 23، الوافي بالوفيات 7/ 83.