وحدّث في طريقه بحلب وغيرها.
سمعت الخطيب مسعود بن محمد بمرو: سمعت الفضل بن عمر النّسويّ يقول:
كتبت بجامع صور عند أبي بكر الخطيب، فدخل عليه علويّ وفي كمّه دنانير.
فقال: هذا الذّهب تصرفه في مهمّاتك. فقطّب وجهه وقال: لا حاجة لي فيه.
فقال: كأنّك تستقلّه؟ ونفض كمّه على سجّادة الخطيب، فنزلت الدنانير فقال: هذه ثلاثمئة دينار. فقام الخطيب خجلا محمرّا وجهه، وأخذ سجّادته ورمى الدنانير وراح، فما أنس عزّ خروجه، وذلّ ذلك الرّجل، وهو يلتقط الدّنانير من شقوق الحصير [1] .
وقال الحافظ ابن ناصر: حدّثني أبو زكريّا التّبريزيّ اللّغويّ.
قال: دخلت دمشق. فكنت أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليّ وقال: أحببت أن أزورك في بيتك. فتحدّثنا ساعة، ثم أخرج ورقة وقال: الهدّية مستحبة، اشتر بهذا أقلاما، ونهض.
قال: فإذا هي خمسة دنانير مصرية. ثم إنّه صعد مرة أخرى، ووضع نحوا من ذلك.
وكان إذا قرأ الحديث في جامع دمشق يسمع صوته في آخر الجامع. وكان يقرأ معربا صحيحا [2] .
وقال أبو سعد: سمعت على ستة عشر نفسا من أصحابه، سمعوا منه، سوى نصر الله المصّيصيّ، فإنّه سمع منه بصور، وسوى يحيى بن عليّ الخطيب، سمع منه بالأنبار.
وقرأت بخط والدي: سمعت أبا محمد بن الأبنوسيّ يقول: سمعت الخطيب يقول:
كلّما ذكرت في التّاريخ عن رجل اختلفت فيه أقاويل الناس. في الجرح والتعديل، فالتّعويل على ما أخّرت ذكره من ذلك، وختمت به [3] الترجمة.
وقال ابن شافع في (تاريخه) : خرج الخطيب إلى الشّام في صفر سنة إحدى وخمسين، وقصد صور وبها (عز الدولة) الموصوف بالكرم، وتقرّب منه، فانتفع به وأعطاه مالا كثيرا. انتهى إليه الحفظ والإتقان والقيام بعلوم الحديث.
(1) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 4/ 34، 35، تذكرة الحفاظ 3/ 1138، سير أعلام النبلاء 18/ 277.
(2) ياقوت، معجم الأدباء 4/ 32، سير أعلام النبلاء 18/ 278.
(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء 18/ 278، تذكرة الحفاظ 3/ 1138.