وقال الحافظ ابن ناصر: أخبرتني أميّ أنّ أبي حدّثها قال: كنت أدخل على الخطيب، وأمّرضه، فقلت له يوما: يا سيدّي إنّ أبا الفضل بن خيرون لم يعطني شيئا من الذّهب الذي أمرته أن يفّرقه على أصحاب الحديث. فرفع الخطيب رأسه عن المخدّة وقال: خذ هذه الخرقة، بارك الله لك فيها. فكان فيها أربعون دينارا. فأنفقتها مدّة في طلب العلم.
وقال مكّيّ الرّميليّ: مرض الخطيب ببغداد في رمضان في نصفه، إلى أن اشتدّ به الحال في غرّة ذي الحجّة، وأوصى إلى أبي الفضل بن خيرون، ووقف كتبه على يده، وفرقّ جميع ماله في وجود البّر وعلى المحدثين، وتوفيّ [1] رابع ساعة من يوم الإثنين سابع ذي الحجّة، ثم أخرج بكرة الثلاثاء وعبروا به إلى الجانب الغربيّ، وحضره القضاة، والأشراف والخلق، وتقدّمهم القاضي أبو الحسن بن المهدي بالله، فكبّر عليه أربعا، ودفن بجنب بشر الحافي.
وقال ابن خيرون: مات ضحوة الإثنين ودفن بباب [2] حرب. وتصدّق بماله، وهو مائتا دينار، وأوصى بأن يتصدّق بجميع ثيابه، ووقف جميع كتبه، وأخرجت جنازته من حجرة تلي النّظامية [3] في نهر معلّى، وتبعه الفقهاء والخلق، وحملت جنازته إلى جامع المنصور، وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي كان يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختم على قبره عدة ختمات [4] .
وقال الكتّانيّ: ورد كتاب من جماعة أنّ أبا بكر الحافظ توفي في سابع ذي الحجة، وكان أحد من حمل جنازته الإمام أبو إسحاق الشّيرازيّ، وكان ثقة حافظا، متقنا متحرّيا مصنّفا [5] .
(1) ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق 3/ 175.
(2) باب حرب: أحد أبواب بغداد، سميت باسم حرب بن عبد الله البلخي من قواد شرطة أبي جعفر المنصور. ويقرب الباب مقبرة باب حرب، ومحلة كبيرة مشهورة تسمى الحربية «ياقوت: معجم البلدان 2/ 237وابن الجوزي: المنتظم 13416» .
(3) النظامية: هي المدرسة النظامية في بغداد وكان نظام الملك قد أمر ببنائها. المنتظم 16/ 134.
(4) ياقوت: معجم الأدباء 4/ 44، مختصر تاريخ دمشق 3/ 175.
(5) الذهبي: سير أعلام النبلاء 18/ 287.