فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 794

والذي نرتضيه رأيا وندين لله به عقدا، اتّباع سلف الأمّة، فالأولى الاتّباع [1] وترك الابتداع. والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجّة متّبعة، وهو مستندّ معظم الشّريفة، وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ترك التّعرّض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة [2] .

وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملّة، والتّواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوّغا، أو محتوما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، فإذا تصرّم عصرهم، وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتّبع، فحقّ على ذي الدين أن يعتقد تنزّه الباري تعالى عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرّبّ [3] فليجر آية الاستواء والمجيء [4] ، وقوله {لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [5] ، و {وَيَبْقى ََ وَجْهُ رَبِّكَ} [6] ، و {تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا} [7] وما صحّ من إخبار الرسول، كخبر النزول، وغيره على ما ذكرناه.

وقال محمد بن طاهر الحافظ: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب بنيسابور، وكان يسمع معنا الحديث وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي الجوينيّ، يقرأ عليه الكلام. يقول: سمعت الأستاذ أبا المعالي اليوم يقول [8] : يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به.

وحكى أبو عبد الله الحسن بن العباس الرّستميّ، فقيه أصبهان، قال: حكى لنا أبو الفتح الطبريّ الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه فقال: اشهدوا عليّ أن قد

(1) انظر: الكوثري ص 23، والذهبي: سير أعلام النبلاء 18/ 471.

(2) نفسه، والذهبي: تاريخ الإسلام (ترجمة رقم 247) ص 235.

(3) انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء 18/ 472، والكوثري: العقيدة النظامية ص 24، وتاريخ الإسلام (ت 247) .

(4) الآية: {وَجََاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} سورة الفجر: 22.

(5) سورة ص: 8، الآية 75.

(6) سورة الرحمن: الآية 27.

(7) سورة القمر، الآية 14.

(8) ابن الجوزي: المنتظم 16/ 246والسبكي: طبقات 3/ 284249، 5/ 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت