على إمامته، شرقا وغربا، المقر بفضله السّراة والحداة عجما وعربا. من لم تر العيون مثله، قبله ولا ترى بعده، ربّاه في حجر الإمامة، وحرّك ساعد السعادة مهده، وأرضعه ثدي العلم والورع، إلى أن ترعرع فيه ويفع. أخذ من العربية وما يتعلق بها، أوفر حظّ ونصيب، فزاد فيها على كلّ أديب، ورزق من التوسّع في العبارة وعلوّها، ما لم يعهد من غيره، حتى أنسى ذكر سحبان، وفاق فيها الأقران، وحمل القرآن، وأعجز الفصحاء اللّدّ وجاوز الوصف والحدّ. وكلّ من سمع خبره، أو رأى أثره، فإذا شاهده أقرّ بأنّ خبره يزيد كثيرا على الخبر [1] .
ويبرّ على ما عهد من الأثر. وكان يذكر دروسا، يقع كل واحد منها في أطباق وأوراق، لا يتلعثم في كلمة منها ولا يحتاج إلى استدراك عثرة مارّا فيه كالبرق الخاطف، بصوت مطابق كالرعد القاصف، يعرف فيه المبرّزون، ولا يدرك شأوه المتشدقون المتعمقون. وما يوجد منه في كتبه من العبارات البالغة، كنه الفصاحة، غيض من فيض، ما كان على لسانه، وغرفة من أمواج ما كان يعهد من بيانه» [2] .
تفقّه في صباه على والده ركن الإسلام، فكان يزهى بطبيعته وتحصيله، وجودة قريحته وكياسة غريزته. لما يرى فيه من المخايل مختلفة فيه، من بعد وفاته، وأتى على جميع مصنفاته، فقلبها ظهرا لبطن، وتصرّف، وخرّج المسائل بعضها على بعض، ودرّس سنين ولم يرض في شبابه بتقليد والده، وأصحابه. حتى أخذ في التحقيق، وجهد واجتهد في المذهب والخلاف، ومجلس النظر، حتى ظهرت كفايته ولاح على أيامه همة أبيه وفراسته، وسلك طريق المباحثة، وجمع الطرق بالمطالعة، والمناظرة، والمناقشة. حتى أربى على المتقدمين، وأنسى تصرفات الأولين وسعى في دين الله سعيا، يبقى أثره إلى يوم الدين.
ومن ابتداء أمره، أنه لما توفي أبوه كان سنّه دون العشرين أو قريبا منه، فأقعد مكانه للتدريس، فكان يقيم الرّسم في درسه، ويقوم منه ويخرج إلى مدرسة البيهقي، حتى حصّل الأصول، وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف الإسفرائيني، وكان يواظب على مجلسه.
(1) نفسه 1/ 480، 183، سبط ابن الجوزي: مرآة الجنان 3/ 124.
(2) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 1/ 174. وما بين القوسين ورد في الصفحة السابقة على أنه ملخص عما أورده عبد الغافر الفارسي في (تاريخه) .