فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 794

وقد سمعته يقول في أثناء كلامه: كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلّدة، وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل حتى فرغ منه، ويبكّر كل يوم قبل الاشتغال يدرّس نفسه، إلى مجلس الأستاذ أبي عبد الله الخبازيّ يقرأ عليه القرآن، ويقتبس من كلّ نوع من العلوم، ما يكتبه مع مواظبته على التدريس.

وينفق ما ورثه وما كان له من الدخل على أحوال المتفقهة [1] . ويجهد في ذلك، ويواظب على المناظرة، إلى أن ظهر التعصّب بين الفريقين، واضطربت الأحوال والأمور، فاضطرّ إلى السفر والخروج عن البلدة.

فخرج مع المشايخ إلى المعسكر، وخرج إلى بغداد، يطوف مع المعسكر، ويلتقي الأكابر من العلماء، ويدارسهم ويناظرهم حتى تهذب في النظر وشاع ذكره.

ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة أربع سنين، يدرّس ويفتي [2] ويجمع طرق المذهب، ويقبل على التحصيل، إلى أن اتّفق رجوعه بعد مضي نوبة التّعصّب فعاد إلى نيسابور [3] .

وقد ظهرت نوبة ولاية السلطان ألب أرسلان، وتزين وجه الملك إشارة نظام الملك، واستقرت أمور الفريقين، وانقطع التعصب، فعاد إلى التدريس، وكان بالغا في العلم نهايته، مستجمعا أسبابه، فبنيت المدرسة الميمونة النظامية، وأقعد للتدريس فيها، واستقامت أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة، غير مزاحم ولا مدافع، فسلّم له المحراب، والمنبر والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة، والمناظرة.

وهجرت له المجالس، وانغمر غيره من الفقهاء بعلمه وتسلّطه، وكسدت الأسواق في جنبه، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته [4] . وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر، والجمّ العظيم من الطلبة، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمئة رجل، من الأئمة ومن الطلبة، وتخرج به جماعة من الأئمة والفحول. وأولاد الصّدور، حتى بلغوا محلّ التدريس في زمانه.

(1) السبكي: طبقات 1/ 175، البداية والنهاية 12/ 128.

(2) نفسه 1/ 176، مفتاح السعادة 1/ 440و 2/ 188.

(3) ابن الجوزي: المنتظم 16/ 245.

(4) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 1/ 176، ابن الجوزي: المنتظم 16/ 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت