وسمعت الفقيه أحمد بن عبد الله بن الأبنوسيّ، يقول: جاء أمير إلى قاضي القضاة الشّامي، فادعى شيئا. فقال: بيّتني فلان، والمشطّب الفرغانيّ الفقيه. فقال: لا أقبل شهادة المشطّب لأنه يلبس الحرير.
فقال: السلطان ملكشاه ووزيره نظام الملك يلبسانه.
فقال: ولو شهدا عندي ما قبلت شهادتهما أيضا [1] .
وقال ابن النجّار: كان رحمه الله، قد تفقّه على أبي الطيّب [2] الطبري، وكان يحفظ تعليقته. وولي قضاء القضاة. وابى أن يأخذ على القضاء رزقا. ولم يغيّر مأكله ولا ملبسه، ولا استناب أحدا في القضاء. وكان يسوّي بين الشريف والوضيع في الحكم، ويقيم جاه الشرع. فكان هذا سبب انقلاب [3] الأكابر عليه، فألصقوا به ما كان منه بريئا من أحاديث ملفّقة، ومعايب مزوّرة.
وصنّف كتاب (البيان عن أصول الدين) وكان على طريقة السلف، ورعا، نزها.
وأنبأنا أبو اليمن الكنديّ: أن أحمد بن عبد الله بن الأبنوسيّ، أخبره قال: كان لقاضي القضاة الشّامي كيسان، أحدهما يجعل فيه عمامته، وهي من كتّان، وقميصا من القطن الحسن، فإذا خرج لبسهما. والكيس الآخر، فيه فتيت، فإذا اراد الأكل، جعل منه في قصعة، وجعل فيه قليلا من الماء، وأكل منه [4] .
وكان له كادك في الشهر بدينار ونصف، وكان يقتات منه. فلمّا ولي القضاء، جاء إنسان فدفع فيه أربعة دنانير، فأبى. وقال: لا أغيّر ساكني، وقد ارتبت بك لم لا كانت هذه الزيادة من قبل القضاء؟ وكان يشدّ في وسطه مئزرا، ويخلع في بيته ثيابه ويجلس.
وكان يقول: ما دخلت في القضاء حتى وجب عليّ، وأعصي إن لم أقبله. وكان طلّاب المنصب قد كثروا، حتى إن أبا محمد التميميّ، بذل فيه ذهبا كثيرا فلم يجب.
وقال [ابن] [5] الجوزي: لما مات الدامغانيّ سنة ثمان وسبعين، أشار الوزير أبو
(1) ابن الجوزي: المنتظم 17/ 29، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 83.
(2) ابن الجوزي: المنتظم 17/ 27.
(3) نفسه 17/ 28.
(4) الذهبي: سير أعلام النبلاء 19/ 87وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 83.
(5) في الأصل: «سبط بن الجوزي» والتصحيح من: المنتظم 13/ 27.