فكيف يقبل مع ذلك كلامهم فيه؟ ثم غاية ما ذكر المصنّف في الكلام في أبي حامد:
ذكر مذاهب الفلاسفة في تصانيفه، والإكثار من الموضوعات في الإحياء، وعدم معرفته بفنّ الحديث، وغلطه في المعقولات، هذا حاصل ما عابه به.
ويقول: أمّا ما ذكر من غلطه في المعقولات فهو بهت عجيب. والذّهبيّ سامحه الله بمعزل عن هذا الفن، وكأنه قلّد فيه بعض المتعصّبين، وأمّا عدم معرفته بفن الحديث فهو أمر مسلّم به، وقد شاركه في ذلك غالب الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم من أصحاب العيون.
مع أن أبا حامد أقبل على مطالعة «الصحيحين» [1] ، وقد مرّ عن عبد الغافر، أنه لو عاش لسبق الكلّ في ذلك الفن بيسير من الأيّام.
أمّا الإكثار في الإحياء من الموضوعات، وما قاله الطّرطوشيّ في ذلك فهو كلام باطل أو كذب.
وقد خرّج حافظ العصر الشيخ الإمام زين الدّين ابن القرافيّ المصريّ أحاديث الإحياء، وعزى غالبها إلى كتب الحديث ودواوين الإسلام.
وأمّا ما نسب إليه من ذكر مذاهب الفلاسفة والأوائل، فقد مرّ في كلام عبد الغافر جواب ذلك فقال [2] : على أنّ المنصف اللّبيب إذا رجع إلى نفسه علم أن أكثر ما ذكره ممّا رمز إليه إشارات الشّرع وإن لم يبح به.
ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطّريق مرموزة ومصرّحا بها إلى آخر كلامه. وأما كتابه (المضنون [3] به على غير أهله) فقد مرّ عن ابن الصّلاح أنه قال: معاذ الله أن يكون له.
وشاهدت على نسخة، بخطّ القاضي كمال الدين الشّهرزوريّ أنه موضوع على الغزّاليّ، وأنّه مخترع من كتاب (مقاصد الفلاسفة) . وقد نقضه بكتاب (التهافت) [4] .
قال القاضي تاج الدّين السّلّمي: بعد ذكر جملة من ترجمته إلى أن انتقل إلى رحمة الله ورضوانه: طيّب الثّناء، أعلى منزلة من نجوم السّماء، وأهدى للأمّة من البدر في
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 19/ 318، 319، 326.
(2) نفسه 19/ 326.
(3) نفسه 19/ 329.
(4) الذهبي: سير أعلام النبلاء 19/ 329.