ذلك السائل، وما سمعت من لطافة عبادته، وطرافة إشارته في تحصيل مراده، فحكى لي كل واحد من جلسائيّ أنّه شاهد من هذا السائل في مسجده ما شاهدت، وأنه سمع منه في معنى آخر فضلا أحسن ممّا سمعت. وكان يغيّر في كلّ مسجد تكلّمه وزيّه، فتعجّبوا من جريانه في ميدانه، وتصرّفه في تلوّنه وإحسانه [1] . فأنشأت المقامة الحراميّة [2] ثم بنيت عليها سائر المقامات.
رواها: التّاج المسعوديّ، عن أبي بكر ابن النّقّور، وأنه سمع الحريريّ.
وذكر ولد الحريريّ أبو القاسم عبد الله. قال: كان السبب في وضع هذه المقامات أن أبي كان جالسا في مسجده ببني حرام، فدخل شيخ ذو طمرين وعليه هيئة الشّعر، فصيح الكلام حسن العبارة، فسأله الجماعة من أين الشيخ؟ فقال: من سروج. فاستخبروه عن كنيته فقال: أبو زيد. فعمل أبي المقامة المعروفة بالحراميّة وهي الثامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد المذكور، واشتهرت فبلغ خبرها الوزير شرف الدّين أنو شروان ابن خالد القاشانيّ، وزير المسترشد فأعجبته وأشار على أبي أن يضمّ إليها غيرها، فأتمّها خمسين مقامة. وإلى الوزير أشار الحريريّ بقوله في الخطبة ما شاء من إشارته [3] :
صحبته حلم، وطاعته غنم، وأمّا تسميته الرّاوي الحارث بن همام، فإنّما عنى به نفسه [4] أخذه من قوله عليه السلام: «كلّكم حارث، وكلّكم همام» [5] فالحارث:
الكاسب، والهمام: الكثير الاهتمام. لأنّ كل أحد كاسب، ومهتم بأموره.
(1) انظر: حديث الحريري عن أبي زيد السروجي: في معجم الأدباء 16/ 263.
(2) تنسب إلى حي بني حرام بالبصرة. ابن الجوزي: المنتظم 21417.
(3) ابن خلكان: وفيات الأعيان 4/ 64، ومعجم الأدباء 16/ 265.
(4) انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان 4/ 65.
(5) الحديث لا يعرف بهذا اللفظ، ويقرب منه ما أخرجه أحمد: 4/ 345، وأبو داود (495) في الأدب: باب تغيير الأسماء، والنسائي: 6/ 218، 219في الخيل: باب ما يستحب من شبه الخيل والبخاري في الأدب المفرد 2/ 277، من طريق عقيل بن شبيب عن أبي وهب الجشمي، وكانت له صحبة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله:
عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة.
أما عقيل بن شبيب، فلم يوثّقه غير ابن حبّان، وباقي رجاله ثقات وله شواهد: من حديث المغيرة بن شعبة، عند مسلم برقم (2135) . ومن حديث ابن عمر، عند مسلم (2132) أيضا ومن حديث عبد الله بن عمر اليحصبي مرسلا، عند ابن وهب في (الجامع) ص 7وسنده صحيح. وأورده الذهبي في سير النبلاء 19/ 463.